هبه العدوي تكتب .. 4 وسائل للمعرفة بحثا عن اليقين !!

3 sec read

(1)

(يوما ما حأموت .. وكلنا حنموت)

في أواخر عشريناتي .. وكأني فجأة أدركت تلك الحقيقة .. والإدرك يختلف عن المعرفة, في إنه يستتبع مع المعرفة سعيا وحركة وفعل ..

كنت اسهر طيلة الليل مع رضيعتي الصغيرة وكان ابني الأكبر الذي لم تتعد سنوات عمره الأربع, يوقظني طيلة النهار إلا سويعات قليلة .. ومنزلي يطل علي شروقٍ للشمسِ وغروبٍ له بالمصادفة البحتة ..

وكنت أنا (بلخبطة مواعيدي ) أطيل النظر للسماء التي أحبها منذ كنت طفلة تعشق الإنطلاق والحرية التي توازي عنان السماء إرتفاعا ..

إخترت وقتها عزلتي عن الناس إلا قليلا .. تحججت باطفالي ..شبه العزلة كانت نعمة ..كنت دائمة التأمل في السماء حتي بت أعشقها وظننت بها تبادلني العشق بمثيله ..

أنظر للشمس وهي تغيب في الأفق كما تبدو لنا ( بحاسة البصر ) ..ثم يختفي نهار هذا اليوم ويأتي مساؤه ..فإذا بفجر اليوم الجديد نراها فيه تطل علينا من جديد ..وكأنها (لم تمت ) ليلة البارحة ..

هل الإنسان مثلها ..إذا ما مات وفني جسده أمامنا ..يطل من جديد في رحلة بعثه لحياة جديدة ؟؟

(2)

أقرأ عن حياة الغزالي ..

يصادفني فيلما تسجيليا عنه ..

في العزلة لا تري الأشياء بظواهرها, تري لها عمقا وبُعدا يفتحه عليك الله هبةٍ من لدنه لمن تتبع شغفه الداخلي بحثا عن إجابات يقينية لأسئلة تملأ وجدانه وعقله ..

أسئلة وجودية, قد يساعده البعض فيها لكنه –إذا لم يمر بها بتجربته هو الشخصية – لن يصل لليقين أبدا ولا للحقيقة .. اسئلة تبدأ ب ( ليه ؟ ) :

-ليه أنا هنا ؟ .. وبأعمل إيه ؟؟ .. ومين أنا ؟؟

أحب كثيرا رحلته ..رفضه لعنصرية الدين .. رفضه لأن نتبع ملة آبائنا دون فهم ولا يقين .. دون طرح للسؤال الصحيح .. وسعي حثيث في سبيل إيجاد إجابات ..

أتأملها فأجد فيها شيئا يريح بعضا من شغفي للمعرفة .. خاصة عن إجابة سؤال :

-كيف نعرف وماهي الوسيلة المثلي للبحث عن اليقين ؟؟

وهل يمكن أن نصل دون أن نتجرد من كل قناعات مسبقة ؟؟.. هل يمكن أن يتجرد أحدهم بحثا عن شغفه للمعرفة ..

يصعب علي البشر ذلك ..

ولكن دون ذلك لا وصول للحقيقة ..لا وصول لليقين ..

(3)

ولكن ما اليقين ؟

هو المعرفة بوجود شيء ما لا يقبل الشك ولا التشكيك .. بأي صورة وأي منطق ..ولا يتغير بتغير المكان ولا الزمان .. هو ثابت في كل مكان وكل زمان .. هو مطلق في ذاته ..

بداية اليقين هو الشك ومن ثَم السؤال والبحث حتي التيقن ..

ولكن أي يقين ؟؟

فأحلامنا ..نظنها يقينا طالما ظللنا نيام ..ثم نصحو فنجدها سرابا .. لا وجود لحقيقته إلا في الأحلام !!

هناك إذن ما يخدعنا .. ثمة خداع في المسألة ..

أي وسيلة ندرك بها اليقين =الحقيقة ؟؟

أي وسيلة سنبدأ بها لندرك بداية طريق البحث عن اليقين ؟؟

(4)

4 وسائل للمعرفة ..

تلك كانت أهم ما تعلمته من رحلة الغزالي ولكني سأصوغها هنا كما طبقتها في حياتنا الآن ..

كان يحاول هو ان يدرك وسيلة للمعرفة لا تخدعه, حتي يطمئن لها ..للإدراك الذي يصله منها .. وكنت انا وقتها أبحث عن القرب أكثر من الله ..عن حقيقة وجودي ووجود الكون ؟؟ ..

وما معني الإسلام وهل هو ديانة صماء لها تعاليم ظاهرية وفقط ..أم أن الامور أكثر عمقا ..و لكل معني, بعدا عميقا لا يصل له إلا من أدرك معرفته بوسيلة لا تخدعه :

1-المعرفة عن طريق المحسوسات
( Sensory knowledge )

يحدثنا العلم أن هناك إحدي عشر حاسة .. ( البصر ـ السمع ـ التذوق ـ الشم ـ اللمس ” ويشمل التلامس وإحساس الضغط والدفء والبرودة والألم ” والإحساس بالحركة والإحساس بالتوازن )

اول ما يُخلق فينا هو حاسة اللمس نميز بها الحار والرطب والناعم من الخشن..

ثم تأتي حاسة السمع فالتذوق وهكذا حتي تكتمل الإحدي عشر حاسة..

للمحسوسات أهمية لا ينكرها أي عاقل كوسيلة للمعرفة..

ولكن هل يمكن ” الإعتماد ” عليها كوسيلة للمعرفة أم أنها قد تودي بنا للوهم وللسراب ؟؟ قد تخدعنا ؟؟

أتذكر يوم أن أرتفعت درجة حرارتي حتي بلغت الأربعين .. ففسدت حاسة اللمس خاصتي فصرت أستشعر كل الأشياء بادرة كالثلج

!! هل “حقيقتها ” كانت كذلك

عزيزي القاريء .. تخيل ان حاسة اللمس هبت لنا ناطقة ..

تري هل من معني عندها لحاسة البصر ؟؟

سينما ؟؟ D هل سبق لك دخول ال7 او 9 او حديثا 11

هل تتذكر شعورك وإحساسك ؟؟

.. توهمنا بإحساس ما (خوف, خطر, رعب, مغامرة.. إلخ ) فيبدوا لنا كالحقيقة .. في النهاية بعد خروجنا من اللعبة (ندرك ) أنها لم تكن حقيقة ؟؟ تلك اللعبة التي تعتمد علي ” خداع ” كل حواسنا الإحدي عشر

هل لنا أن ندرك حقيقة وجودنا قبل أن تنتهي رحلتنا !!..

2- المعرفة عن طريق التفكير العقلاني المنطقي :
(logic thinking )

ببلوغنا السابعة نستطيع أن نميز ونفهم ما هو أكثر من مجرد عالم المحسوسات .. وشيئا فشيئا ندرك أهمية عقلنا .. والتفكير النقدي للأشياء ومنطقيتها ..

ونبدأ في إدراك الفرق بين ما هو ضروري وممكن ومستحيل ..

ولكن يحدثنا المفكرون أنه لا وجود للواقع .. بل هناك إدراك كلا منا للواقع .. بمعني أن كلا منا بداخله خريطة عقلية من مفاهيمه الشخصية التي ترشده إلي معرفة الواقع ..

فيكون واقعك غيرواقع الآخرون .. وهكذا ..

هذه الخريطة تكونت خلال رحلة حياتنا منذ كنا في المهد ..وتتطور –كلما كان الإنسان منفتحا – حتي نكون في اللحد ..

وأتسائل أنا ..

إذا كان ليس هناك وجود حقيقي للواقع .. بالتفكير العقلاني .. إذن كيف أستند له بصورة مطلقة ؟؟

ألا يمكن أن يخدعني طبقا لمرجعية من مفاهيم زائفة وضعوها في عقلي ولم أنتبه لها ؟؟

وإذا كان كذلك كانت خرائطي العقلية وتصوراتي الشخصية تورثني “تيها ” وتودي بي هالكا في دروب السراب ؟؟

أليس كذلك !!

فكيف لي أن أستند إليه وفقط .. دون تقليل بالتأكيد من اهميته بل ..شدة أهميته ..فلا حركة للأحرار.. إلا من بعد معرفة إجابات حرة منطقية للسؤال العظيم ” لماذا “؟؟ ..

ولكن إخضاع قياس الحقيقة عليه وفقط .. ألا تجدون فيه تضليل ؟!!

3-المعرفة عن طريق التجربة (المادة )

وهنا عوائق كثيرة تحول دون تعميم هذا النوع من المعرفة .. وبالأخص العلوم الإنسانية

تظهر” الموضوعية ” عائقا ..فكيف يكون الإنسان موضوعي في بحثه عن أمور هو ذاته -كإنسان – ذاته متداخلا فيها

فمناهج العلوم الطبيعية تمكننا دوما من إعادة التجربة في ظروف مختلفة زمانا ومكانا حتي نضع لها قوانين لتعميمها علي جميع الظواهر المتشابهه

ولكن كيف نفعل ذلك في العلوم الإنسانية كعلم النفس أو التاريخ مثلا؟؟ .. وهل يمكن ان ندخل النفس الإنسانية للمعمل, نجري عليها تجربة فإذا ما سجلنا النتائج ..أستطعنا تعميمها إذا ما وصلنا لعدد معين من التجارب؟؟

أم أن كل نفس إنسانية بها من التفرد والتنوع ما يستحيل معه إقرار حالة من التعميم ؟؟

إذن لا يمكن الإستناد لهذا النوع من المعرفة وفقط ..

4-المعرفة عن طريق القلب

هل هذا يعد نوعا من المعرفة ؟؟

هل يمكننا إدراك شيئا ما بقلبنا ؟؟ .. هل يمكن إثبات ذلك معمليا / علميا ؟؟

.. هل أدخلت القلب من قبل إلي المعمل ؟؟ اعلم أنك رأيت أذينه وبطينه

لكن حدثني .. هل رأيت الحب ؟؟

هل رأيت سواد الكره والغل والحقد ؟؟

هل رأيت جمال الشعور بالحنين ودفء المشاعر الدفين ؟؟ أين وجدته وكيف كان ؟؟

بالطبع لا تلك الغير مرئيات .. تلك هي المشاعر..

هل رأيت ما وراء عالم الماديات يوما ..

البعض يستهزأ بإنه لا وجود لما وراء العوالم المادية .. إذن إمنع عن ذاتك فنائها .. ذلك أن فنائك في حد ذاته هو حقيقة توجب بحثك عن (ما وراء مادية بدنك ) ..ذلك انه لن يبقي ..

فهل هناك ما يبقي ؟؟

في نهاية الجزء الأول من المقال عزيزي القاريء .. تُري هل أقتنع عقلك الحر بضرورة البحث ؟ .. عن عمق حياتك عن معناها وجدواها ؟؟ .. وما هي من وجهة نظرك الوسيلة المثلي للبحث ام أنها إتزانا بين كل ما سبق ؟ 

امانتك مع ذاتك .. هي السبيل الوحيد لوصولك لبداية الطريق, طريق البحث عن حقيقة وجودك..هذا الطريق الذي سعادته في رحلته ..

في عالم يموج بالأسئلة والحيرة ..

وزمان يشهد ميلاد عصر جديد ..يحتاج فيه العالم لمعاني مختلفة .. اكثر يقينا .. أكثر حكمة ..في سبيل تأصيل معني التواصل بين الحضارات وليس صراعها..

فالحقيقة أن كل الناس فوق تلك الأرض هم أناس مرتحلون .. من دار الدنيا ..

والحقيقة أن السعادة الحقيقية موصولة بإدراكك الحر لتلك الحقيقة ..

حقيقة أنك ستفني وسيبقي معك فقط كل ما هو موصول بحقيقة وجودك ..

إستنوني في الجزء الثاني 

Journas

Never miss a story from us, get a weekly update to your inbox