هبه العدوي تكتب .. 4 شارع محب

3 sec read

(1)

كان جدي يسكن في منزله المكون من عدة طوابق  في المحلة الكبري.. والذي تطل شرفته مباشرة علي قصر كبير يُدعي قصر الشيشيني.. 

تقول أمي أنها رأت صباح وعبد الحليم حافظ ولبلبة وشكوكو في إحدي الحفلات داخل حديقته ..أما في ليالي رمضان فلقد كان يمتليء بأناس من كل الطبقات عم أحمد كان ضمنهم .. 

جاءوا جميعا سواسية, يستمعون للقرآن داخل نفس الحديقة ..

كان المجتمع مترابط هكذا حدثني جدي رحمه الله .. الذي كان يعمل والده تاجرا للقطن .. أتاه الله من المال ما جعله يعيش في حياة رغدة ممتلكا عربته الخاصة ومنزله الخاص ..

والد جدي كان صديقا للشيشيني صاحب القصر العالي الكبير المترامية اطرافه علي شارع محب ..

حيث كان المجتمع يحب بعضه بعضا .. وبعد إفلاس والد جدي وخسارته كل ما كان يملك ..ظل يسكن نفس ذات المكان مؤجرا ..وبالطبع ظل صديقه نفس ذات الشخص ..

(2)

عم أحمد كان عاملا في بناء منزل آخر مجاور لمنزلهم و لقصر الشيشيني ..رأته أمي يوما يفتح منديله يُخرج منه جبنا وعيش بتاو ربما اعدته له زوجته أو والدته خصيصا في المنزل جالسا تحت ظل الاشجار وارفة الظلال التي زرعها ملاك قصر الشيشيني منهكا بعد يوم عمل طويل ..وجدته يُقبّل يده حامدا ربه, رافعا رأسه للسماء ..دون ان ينظر لقصر الشيشيني قائلا المقولة الشهيرة :

-جاتنا نيلة في حظنا الهباب ..

أتسائل ما الفرق بين الماضي والحاضر ؟؟ وكيف كان قصرالشيشيني يقع بجانب عمارة جدي بجانب الحجرة الصغيرة لعم أحمد ؟؟

(3)

كبرنا في المحلة الكبري ..حيث كانت القصور تقع بين العمارات .. والأغرب أن العمارات كانت تطل علي عشش صغيرة ومنازل بسيطة للعمال أو لمساعدي أمي في المنزل في أعمال النظافة .. كان الكل تربطه صلة حب ..

كانت نظرة الجميع للجميع هي نظرة الإحترام ..

كنت ألعب بدراجتي البي أم إكس في شارع منزلنا أجوب بها وأخي وأصدقائي كل الشوارع,  دون ان تخاف أمي عليّ من تحرش أو خطف ..

ذلك أن (عمو محمد) البقال سيخاف عليّ مثل ابنته ..وطنط ( أم أحمد ) ستهب تنقذني إذا ما إحتجت لها ..

لم تكن للنظرة المادية أو الطبقية أي معني .. 

كان المعني للغة الإحترام المتبادل والحب .. وفقط ..

(4)

تحدثني أمي عن إعلان حمام جرافينا في السبعينات .. تقول أن معه تغير المجتمع المصري .. تطلق الفتاة في آخر الإعلان قبلة تطبعها علي سيراميك الحمام ..مُحدِثة رابط شرطي بين شهوة تغيير الحمام وشهوة الجنس ..هكذا تعلمت في علم النفس داخل كليتي الصيدلانية ..

هل أثّر  التركيز علي ( شهوة التملك وربطها بالجنس ) علي قلوب وعقول و لغة الشارع المصري ؟؟

(5)

في سنة الألفين أري المغنية تتراقص شبه عارية .. تملأ الكافيهات والقهاوي في حي شبرا العتيق .. يلعبون الدومينو والطاولة ويستبيحون النظرة ..

وشيئا فشيئا مع إستباحة النظر وسيطرة الشهوة .. أصبح المجتمع يعج بالعنف بداية من عنف الكلمة ونهاية بعنف السلاح ..وصولا لعنف رفض أي آخر مختلف ..

هاجر أصحاب القصور لكومباوند خاص .. وأصبحت الطبقة الوسطي يجروا خلفهم رغبة في (البرستيج) والنفوذ .. أما عم أحمد فاولاده بلا مأوي ..

أتذكر ذهابي لإحدي قري الصعيد ..حيث لا بناء ولا سقف ولا مكان آدمي لقضاء الحاجة ..

تزادد الهوة إتساعا بين الجميع داخل مصرنا .. بين القصور والعشش التي بلا سقف..

الجميع داخل جزره المنعزلة ..بما فيهم المسئولين عن إدارة الثروة البشرية المصرية ..

فلم تعطي لأولاد عم أحمد أي أدوات ليغيروا من حالهم ..لا تعليم جيد ولا مشروع مييسرة إجراءته ولا تأهيل نفسي أو تربية دينية ممتلئة بنظرة الرضا مع الطموح والسعي ..

لم تعطي تلك الأدوات لأولاد عم أحمد ليغيروا حمامهم  (هذا إن كانوا يمتلكوا واحدا ) ..بل أعطتهم فقط إعلانات وجهاز تلفزيون ووصلة دش لينظروا لغيرهم, فتتبدل النظرة..

لم تعطي تعليميا مصريا جيدا لأولاد الأغنياء ليزدادوا إنتماءا وحبا لتراب الوطن ..بل جعلت تعليمك متأخرا متخلفا ..حتي وُصِمت لغتنا العربية عند البعض بانها :

-(ياااي ..اللي بيتكلم بيها يبقي مش كووول )

أما الطبقة الوسطي التي تعد صمغ المجتمعات وأساس ترابطه, فالإجراءات الإقتصادية الأخيرة ستقضي عليها ..

ولا عزاء لوطن تفتتت أبناؤه وتشتتوا لاهثين خلف المادة وشهواتها لهثا رأسماليا متطرفا ..

(6)

كبر أولاد الجميع وصرنا طبقات منفصلة عن بعضها البعض .. بدلا من ان تكون مترابطة ..

تشرذمنا وفقدنا ( لغتنا المشتركة ) ..لغة الحب والجمال والإحترام والرضا ..

يحدثني أصدقائي أن القصور هُدِّمت في المحلة الكبري وخرجت مكانها أبراج .. وأن المحلة الجميلة صارت قبيحة..

وأن شارع ( محب ) لم يعد كذلك , يبدو أن مصرنا كلها قد صارت ( الكراهية ) لها لغة ..

أما آن الأوان أن يتنصر هؤلاء -الذين مازالت قلوبهم ممتلئة بالحب والجمال والرضا – للغتهم الراقية التي وحدها قادرة علي لململة شَتات هذا المجتمع المصري ؟؟ !!

الإجابة  في يد المحبين وحدهم .. 

Journas

Never miss a story from us, get a weekly update to your inbox