هبه العدوي تكتب .. مسيو عادل عزيز

1 sec read


مازالت رائحة الضباب تملأ أنفي وأنا أقف في طابور المدرسة صباحا ..أنتظر درس السبت متلهفة..بعد رحلة قصيرة داخل سيارة (عمو فوزي ) السائق الذي يأخذني من منزلي لمدرستي نوتردام مع باقي أصدقائي ..

كنا وقتها في المرحلة الإعدادية, حيث البدلة هي الزي الرسمي متمثلة في بنطلون وكرافت وشميز بينك .. نعم هذا اللون (البينك ) وقتها هو فقط ما يميزني كأنثي عن أي ذكر يرتدي نفس البدلة ( أو هكذا كنت أتصور ) ..
خاصة ان الحذاء الأسود الشهير كان أيضا له نصيب من الزي الذكوري ..أما الشعر فلم تكن لنا حرية إطلاقه دون ضوابط ..بل كان له زيا هو أيضا .. متمثلا في لمه خلف ظهورنا (بتوكة ) لا يبدو منها أي مظاهر للألوان الانثوية ولا للموضات اللا منتهية .. فقط هي بيضاء اللون سادة كما كنا نقول ..

كانت تمر علينا (السورات ) في الطابور, تفتش علي مدي إنضباطنا بإنتظام الصف أو بإلتزام الزي ..
كنت وقتها -بالنسبة لباقي زميلاتي – أطولهن ..وبطبيعة النظام, كان نصيبي دوما الوقوف في آخر الطابور لأني الطويلة والطابور يُرتب (القصير أدام والطويل ورا ) ..وشببت من وقتها ظانة بنفسي اني كذلك والحقيقة أن طولي لا يتعدي ال160 سم .. فأي طولٍ هذا إذن !! ..

أما عن يوم السبت, فلقد كان للطابور مذاقه الخاص..
ففيه أنتظر حديث مسيو عادل ..بهدوئه المعتاد وكلامه القليل .. وصوته الرخيم ..وصوت رنة سلسلة مفاتيحه التي لا تفارق يديه ..
كانت له نظرة أحبها وأحترمها في نفس ذات الوقت ..كان رجلا (ذو هيبة ) .. وكان وجوده في مدرستنا الخاصة بالبنات له وقع خاص .. فلم تكن تجرؤ إحدانا علي كسر إنضباط المدرسة إحتراما لا خوفا ..

لم أسمع يوما صوته عاليا كمدرسي هذا الزمان .. أذكر ذات مرة وقد اوقعت نفسي و أوقعتني صديقة عمري في أزمة ما ربما يوما أحكيها .. وكان عليّ الذهاب إلي مكتبه .. لا أذكر منه إلا جملة واحدة : 

-(إنتِ يا هبه ) .. 

قالها بحزم ممزوج بنظرة لوم حادة ذبحتني وقتها ..بل إني كلما تذكرتها إلي الآن, كلما أوقعت في نفسي شيئا ما..

أتذكر أن دموعي ظلت منهمرة طيلة يومي الدراسي ..ليس لأني في الاساس لم أفعل شيئا وقد ألتبس الأمر كله فصرت فيه متهمة ..ولكن لأن صورتي أمام مسيو عادل عزيز لم تعد كما كانت .. حتي ظهرت الحقيقة وقتها ..

كان يحترمنا ويقدرنا .. وكان هذا الإحترام بمثابة الأساس الذي عليه بُنيت علاقتنا بمدير مدرستنا مسيو عادل عزيز ..
علمنا بإحترامه لشخوصنا, أن الإحترام والتقدير هو أساس العلاقات كلها من الكبير للصغير والعكس .. كان رجلا يمارس الأخلاق في شخصه .. كان قدوة ..

أما عن درس السبت فلقد كان المنطقي أن يقف ناظر المدرسة في الإذاعة المدرسية التي كان مكانها يعلو مكان الطابور بطبيعة الحال ..ولكنه كان ينزل لنا في (حوش ) المدرسة في مطلع الطوابير حاملا سبورة بيضاء وقلم ..فوق مكان يعلو بمقدار بسيط عن مستوي رؤوسنا ..

كان الدرس متنوع الموضوع ثريّ الفكرة.. بسيط اللغة ..عميق المعني ..مابين السياسة والأخلاق والحديث عن الوطن ..

علمني مسيو عادل عزيز أن أرفع رأسي في عزة وفخر .. 

علمني أن وطني هو وطن الأحرار ..علمني التسامح وهو المسيحي الحافظ لآيات القرآن مستشهدا بها في حديثه لنا القصير يوم السبت والذي لا يستغرق سوي دقائق حتي لا يعطل سير اليوم الدراسي .. ولكنها دقائق صنعت حياة ..

المسألة الآن إذن ليست عدم كفاية الوقت ..بل ..عدم كفاية النفوس الحرة المبادرة الواثقة المحترمة .. مختصرا المسألة هي عدم كفاية القدوة ..

مازلت أتذكر فخري بمسيو عادل عزيز وبمدرستي التي أحفظ نشيدها عن ظهر قلب إلي الآن .. وأجيد عزفه علي بيانو المدرسة ..

( مدرستي نوتردام أنتِ أنتِ فخرنا ..وعزنا وحبنا )

وكيف لإنسان إعتاد الإعتزاز بنفسه وبمدرسته أن لا يعتز بوطنه !!

قد كان لمسيو عادل ( عزيز ) نصيبا من إسمه ..رحمه الله إن كان توفي وأطال في عمره إن كان مازال باقيا علي قيد الحياة ..

#مسيو_عادل_عزيز..
#نوتردام_ديزا_بوتر.. المحلة الكبري ..

Journas

Never miss a story from us, get a weekly update to your inbox