هبه العدوي تكتب .. حضن العيد

0 sec read

(ساعات بشتاق ليوم عشته وأنا صغير ..لليلة من ليالي زمان, لفرح بيملي كل مكان

لنومي في حضن لبس العيد وإحساسي إن بكره بعيد )

إنهمرت دموعي بغزارة وأنا أستمع لتلك الأغنية .. فقط حرصت علي ألا يكون لبكائي صوتا مسموعا لمن كانوا معي في نفس السيارة ..ونحن ننطلق مسافرين لبيت العائلة إحتفالا بالعيد ..أخفي آلامي خلف نظارتي الشمسية ..وكلما فرت دمعة مبللة وجهي رغما عني, أُسرع بمحوها سريعا ..

لا أريدهم أن يروا إحساسي بالألم ونحن علي مشارف بهجة العيد ..

تسائلت نفسي التي لا تعرف الإسنسلام لأي حالة عاطفية دون أن تفهم ولماذا ؟

فاجابني المنطق مذيباً العاطفة مثلما تذيب النار الجليد :

ليس كل حنين هو ألم في المطلق بل يكون الحنين فقط ألما, عندما يضحي الحاضر بعيد كل البعد عن جمال ذكرياتنا ..

(يصبح الحنين للماضي ألما عندما يصير الواقع قبحا )

وكعادتي في رفض الإستسلام للقبح, أنطلق عقلي يذكرني بأجمل أيام العمر ..

تذكرت تحديدا ليلة العيد ..حيث الإجتماع الكبير مع العائلة الكبيرة ..

دفء حضن العيلة ..اطفال نحن نلهو ..وكبار هم يضحكون .. وأجدادنا توميء برأسها في غبطة شديدة وهي تري الأبناء والأحفاد وقد إجتمعوا علي الحب ..

تنهدت متسائلة :

هل صار مجتمعنا بلا حب .. أليست إحدي أهم صوره إجتماع العائلات في الأعياد!!..

قارن عقلي بين المشهد القديم وبين المشهد القريب ..

تذكرت إجتماع العائلة في الأعياد القريبة وقد فرقتهم الآراء السياسية .. أحسست أن ثمة غصة عميقة تعتصر قلبي ..

تذكرت كيف كانت المشادات كبيرة وكيف إنتهت بتراشق بين الجميع وإتهام الجميع للجميع أنه لا يفهم وإنه إما بلادين أو بلا وطنية ..

نفضت الأفكار عن رأسي وكأني أدفع بأكبر همومي بعيدا ..( هم الفُرقة )

أعلم منذ نعومة أظافري أن الفُرقة ضعف ..أحفظ تلك القصة التي ما لبثوا قديما أن كرروها علي مسامعنا ..

عن الحطاب واولاده وحزمة القش التي لا يستطيع أحد أن يفرقها أبدا طالما ظلت حزمة قش ..

اما القشة فكلنا نعلم بمفردها إلي ماذا تصل !

رفعت رأسي للسماء وجمالها .. وقلت لنفسي كما علمتني أمي :

– تَبسّمي ..فالإبتسامة وقت الألم هي دواؤه.. الذي منه يأتي الامل ..

إتسعت إبتسامتي مع تذكري لحديث أمي وإصرارها أن أكون دوما متفائلة مهما كان الوجع..

وذكرتني البسمة وتفاؤلها بأول يوم عيد الصبح .. حيث تكبيرات العيد المبهجة ..

( الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله العظيم بكرة وأصيلا ..وحده صدق وعده ونصر عبده )

مازالت بهجة تكبيرات العيد في أذني وأنا أصحو من نومي فجرا عليها ..

أقفز من فراشي متهللة أساريري ..العيد فرحة وأجمل فرحة يجمع شمل قريب وبعيد جانا العيد جانا العيد ..أضع أحدث شرائط الكاسيت في حقيبتي ..

ألبس طرحتي ..أمسك يد أبي واخوتي الصغار ..نقفز علي سلالم عمارتنا تكاد خطواتنا ان تطير فرحا .. ذلك أننا ذاهبون لصلاة العيد ..

حيث ميعاد شحن العديد من الأحضان الدافئة :

-يااه بقالي كتير مشفتكيش ..وحشتييني.. طنط إزيك .. يا حبايبي كبروا أوي ولاد حضرتك.. أونكل إزيك .. عمو يارب تكونوا بخير كلكم ..

ناس كتير متجمعة واقفة علي باب جامع ربنا ..

أصل جامع ربنا بيجمع ..

قارن عقلي بين هذا المشهد و إجتماعنا علي جامع ربنا, وبين كيف فرقنا أنفسنا لفرق تتناحر علي ما جعله الله لنا ليجمعنا .. ديننا ..

تسائلت لماذا فرقنا ديننا وصرنا شيعا كل فرقة تري نفسها هي وفقط الناجية ..

أليس الله عزوجل من اسمائه الحسني انه “الحكم “! ..

أليس يوم القيامة هو يوم الفصل .. هو يوم العلم بمن سينجو ويدخل الجنة ومن سيهلك ويدخل النار ؟؟

كيف صرنا الآن هكذا ؟؟

قد تآمرنا علي أنفسنا ونحن نظن بانفسنا خيرا ..قد جعلنا مساجدنا ضرارا فيها تفريقا بين المؤمنين ..بدلا من أن نجعلها مساجد أساسها تقوي الله تجمع لا تفرق ..

إستفقت من أفكاري علي بكاء إبنتي الصغيرة ..أخذت أهدهدها في حضني .. مداعبة خصلات شعرها البني ..أخذت عهد علي نفسي أن أعلمها وأخيها وباقي الأطفال, ان الله كتب علي نفسه الرحمة وأنه عزوجل قد إختار ليبدأ لنا قرآنه العظيم بإسمه (الرحمن الرحيم )..

وأن (الله محبة ) وأن الحب الإلهي العظيم هو أساس الدين وأساس التوحيد وأساس العبادة ..

وان ذلك ليس له مسمي ما .. لأنه ببساطة هو الدين ..

ومع تذكر حب الحبيب, رجعت للمة حضن الجامع يوم صلاة العيد ..

تذكرت كيف كنت أركب السيارة مع ابي بعد إتمام الصلاة ..وكيف كنت أضع في الكاسيت أحدث شرائط مطربي المفضل عمرو دياب الذي تملا غرفتي صور بوستراته .. أو قد يكون شريطا آخر جديدا لحميد الشاعري أو مصطفي قمر .. المهم هو بهجة الدندنة مع الأغنية ..

وهذا الإحساس بالسعادة الذي يجعلك لا تري الدنيا (بمبي بمبي) كما قالت سعاد حسني رحمها الله, بل تراها خضراء كلون الزرع مختلطة باللون السماوي البديع ممتلئة بدفء وسعادة وضحكات وخيال جامح يجعل أصوات دقات قلبك تعلو حتي ليكاد يسمعها الجميع .. وهل يريد الإنسان أكثر من ذلك سعادة ؟؟

وكنهاية أي إرتحال, وصلت سيارتنا لبيت العائلة .. إستقبلنا الجميع بالأحضان .. اخرجت من حقيبتي فلاشة وسي دي جمعت فيهم أغاني العيد .. وكيس بالونات وبمب وصواريخ .. هم يعرفونني كذلك في العائلة, أني المسئولة عن إثارة البهجة في العيد ..

هم لايعلمون أن مخزون ذكرياتي الجميلة هو قوتي في مواجهة الأيام الصعبة ..

هو من يضيف علي روحي البهجة, بفضل صانع الضحكة الذي هو أضحك وأبكي ..

ضحكنا كثيرا .. إلتقطنا العديد من الصور التذكارية .. السلفي وبوز البطة تصدر القمة .. وعندما أفرغت كل ما في حقيبة ذكرياتي من اشياء مبهجة.. تعيد لهم ولي الروح ..
أمسك كل منهم بموبايله يقلب صفحات الفيس بوك والواتس أب ..
ويبتسم تارة ويسكت أخري ويضحك ثالثة .. ولكن كلا منهم بمفرده .. كلا منهم يضحك لشاشة معدنية ..خالية من الحياة والروح .. لا تعطيه الدفء ..
وإن أعطته ضحكة ..لم تكن باقية له في الذكري ..
ذلك أنه لم يشارك إحساسها ويتفاعل بنبضها مع غيره من البشر وجها لوجه وكفا بكف وكتفا بكتف وحضنا بحضن ..
ألا رجعت لنا يا حضن العيد !!

Journas

Never miss a story from us, get a weekly update to your inbox