جحيم القاهرة وجنّتها التي في القاع! – الجزء الأول

16 sec read

حتى العام 2013؛ كنت أعشق القاهرة. كنت أعتبرها الحلم الكبير الذي يسبق كندا!. كنت أكره طنطا، المحلة، المنصورة، أي بلدة ومحافظة أخرى. كانت القاهرة نصب عيني. السبب ببساطة؛ هو أن القاهرة مكان تجمّع الفعاليات الجميلة، التدريبات القيّمة، فرص العمل!.

منذ شهر مارس هذا العام 2017؛ بدأت أكره المدينة دون أي سبب. لم أعد أشعر بالتحمّس لزيارتها كالسابق، لا؛ بل لا أريد أن أذهب لها قط. كنت أشعر حين وصولي لها أننا وصلنا لنهاية العالم، وأن منزلنا يبعد سنين ضوئية عن مكاني الآن. لم أعرف السبب، وربما لم يكن هناك من سببٍ أصلاً. لكن منذ يومين أعتقد أنني عرفت السبب. قضيت فيها يومين متنقلة بين مصر الجديدة، رمسيس، القرية الذكية، وميدان التحرير الذي يعتصر قلبي ألمًا كلما مررت به؛ لما يحمله من ذكريات كثيرة؛ تعرفونها!.

أنظر إليه فأشعر برهبة غريبة تجعلني أتحدث مع نفسي قائلةً: “الثوّار كانوا هنا”. آنذاك؛ كنت أتمنى لو كنت معهم في الميدان، والآن ها أنا هنا؛ لكن أين هم؟! ربما في وجدان وذكريات ووجوه أناس كُثر يصادفونني؛ وربما لا!.

يوم الثلاثاء الـ 21 من نوفمبر؛ في السابعة إلا ربع صباحًا؛ وقفت دقيقة أمام الميدان أتأمله شرقًا وغربًا من موضع وقوفي أمام شارع طلعت حرب؛ في لحظة صفاء وهدوء قبل أن يصحوا سكان المدينة. وقفت أتأمل المتحف المصري، شارع عبد المنعم رياض، علم مصر الذي رُفع على صارية طويلة وسط الميدان. أتساءل: من أعطاك الفرصة لتقف هنا اليوم؟ أليسوا هم!، هل تمثلهم؛ أم تقف الآن على جثثهم وتنغّص سلام أرواحهم بغرور مثل غرور من وضعوك!. لم أتواجد في القاهرة يومًا في هذه الساعة لأحدّث نفسي هكذا. كان شعورًا غريبًا!.

ميدان التحرير صباحًا

حسنًا؛ تذكرت أن الثوار كانوا هنا منذ ستة سنوات. اللعنة! ست سنوات ولم يحدث إلا الأسوأ بعد ذلك حتى الآن. تأثرت وبكيت ولعنت كثيرين بالطبع، وأكملت طريقي ساخطة على كل شيء باتجاه عبد المنعم رياض. رأيت التمثال؛ في نفسي قلت: “صباح الخير ياعم عبدالمنعم، فاكرهم!”.

القاهرة جحيم لا يطاق، عاصمة ملأها السواد في كل مكان تقريبًا، وجوه الناس في الصباح الباكر تعطيك قدرًا لا بأس به من الحِنْق يجعلك تسب كل ما يصادفك. حتى العصافير والكلاب والجمادات تسبّها لأنها اختارتها مدينة بدلًا من الواحات مثلاً. لا أدري كيف يعيش سكان القاهرة في هذا الكم من التخبّط، والزحام، والأصوات المزعجة العالية، والركض بين محطات الباصات، والمترو، وصعود السلالم ونزول أخرى!. ولو أُعلن أن العالم سينتهي هذه اللحظة؛ ستراهم مُكملين بشكلٍ روتيني في تلك الدوامة اللعينة التي تسحقهم للقاع السفلى من الجحيم!.

على أيّ حال؛ وعذرًا عن هذه البداية؛ لكن دعونا ننظر للجانب المشرق في الموضوع… على الأقل بالنسبة لي!

كانت زيارتي للقاهرة يوم الإثنين الـ 20 من نوفمبر؛ في رحلة قصيرة مدة يومين سأضطر لأبيت فيها لأول مرة على الإطلاق من أجل تدريب ومسابقة تتبع وزارة الإتصالات المصرية. هذه تجربة جديدة بالنسبة لي كليًا. أنا لا أفهم في الأعمال كثيرًا؛ لكني أحاول قدر استطاعتي. فالعالم قائم على ذلك للأسف، والعلم دون مشاريع تقوم بالأساس على مبادئ “البيزنس” لن ينجح!. فالعلم يخبرنا أنه يمكننا أن نستخدم الطاقة النووية بشكلٍ سلمي في إنتاج الطاقة الكهربائية. حسنًا؛ كيف ذلك؟ وأين الشركات التي ستتولى الأمر؟، وكيف سيتم العمل من أجل إنشائها وإنجاحها أصلاً؟ كل ذلك يتبع في الأساس مبدأ البيزنس.. مبدأ “الأفكار المعجزة”. لهذا أقرأ بالتوازي بين العلم والعمل به، والاستثمار فيه.

يوم الإثنين – السابعة صباحًا، المنصورة (عروس النيل):

يقع مسكننا في شارع مُطل على النيل. في مبنى مكون من 12 طابقًا؛ نقبع فيه في الطابق السادس. هل تعلمون كيف يكون الشعور، حين تخرج للشارع في هذه الساعة المبكرة؛ فيحتضنك نسيم النيل (البحر)؟ هواء عليل، ونسيم بارد، وهدوء صباحي، وشمسٌ مشرقة يخبرانك أن “صباحك فل يافل”. حاملة حقيبة ثقيلة على ظهري تحتوي جهازي الحاسوب، سماعة البلوتوث الكبيرة الحمراء خاصتي، متعلقات شخصية وملابس سأقضي بها يومين في القاهرة، رواية جيدة، ودفتر اجتماعاتي الأحمر الصغير.

انطلقت في الرحلة حين استقليت أول تاكسِ من أمام المبنى لوجهتي الأولى. يصادف اليوم أن يأخذني سائق التاكسِ في رحلة لمكانٍ بعيد نوعًا ما عن وجهتي؛ فنستهلك من الوقت نصف ساعة لا داعي لها!. اعتدت دائمًا من خبرتي في فن ركوب المواصلات؛ أنه إذا كان هناك خطب في مواصلات الساعة الأولى؛ فإن باقي اليوم سيكون جميلًا وسهلاً. مررنا على النيل، والتقط صورة له تعبر عن جماله؛ لتذكرني أن مصر لا تزال”فيها حاجة حلوة” حتى الآن.

وصلت إلى موقف الـ “ميكروباصات” الأول الذي سأستقل منه “ميكروباص” آخر لموقف ميكروباصات القاهرة والمحافظات الأخرى. نتأخر ربع ساعة لأول مرة في المكان الأول. فالبطبع نحن في ساعة صباحية، والمفترض أن هناك الكثير من الناس يودون الذهاب لأماكن عملهم أو جامعاتهم أو سفرهم، لكن لا أحد!. كنا في الثامنة إلا ربع، ننتظر قدوم الأشخاص، ولا أحد. و“يامِسْتعجِل وقّف لإقِلّك”. جملة سمعتها في مسلسل كرواتي مدبلج للعربية، وأصبحت أتذكرها حين تتعرقل الأمور وأنا على عجلة من أمري. فبالطبع حين تكون على عجلة من أمرك؛ تجد جميع المعوقات أمامك. قاعدة حياة أخرى حفظتها!.

انطلقنا أخيرًا في الثامنة صباحًا؛ وصلت موقف عربات القاهرة في الثامنة و20 دقيقة. ركبت عربة القاهرة التي ربما كانت تنتظرني. كان الجميع ينتظر راكب واحد ليكتمل عدد الركاب؛ وأتيت انا لأفعل ذلك؛ وننطلق. عزيزتي سماعة رأسي الحمراء؛ هل تعلمين كم أحبك؟ أول شيء أقوله لنفسي حين تحتضن رأسي، وأنتقي أغانيي المفضلة في هذه الساعة الصباحية بعيدًا عن أي أصوات أخرى. التاسعة تمامًا كنا خارج مدينة المنصورة.

باريس لا تعرف الحب – محمد طارق

روايتي التي اصطحبتها معي. كنت قد بدأت قراءتها منذ أسبوع ونصف ولم أنهها؛ لأن ليس لدي متسع من الوقت كثيرًا لقراءة الروايات. لبست سماعة الرأس، وأدرت أغنيتي المفضلة في السفر “coldplay – a sky full of stars” على هاتفي، ورفعت الصوت ليمنع صوت الضجيج حولي، وبدأت في قراءة الجزء المتبقي المتعلق بليندا وسامر أحد أبطال القصة. حين بدأ الجزء المتعلق بالفراق والحنين والحب، والمعاناة في حياتهما؛ لأول مرة بكيت. بكيت حرفيًا ولم استطع منع دموعي من السقوط. نظر إليّ الشاب الجالس بجواري، وأظنه يتساءل عن شيئين:

– إما أن هذه الرواية مؤثرة بهذا الحجم!

– أو أن هذه الفتاة رائقة البال حتى تتأثر بكلام مكتوب في رواية؛ “وع الصبح”!

لا يعلم هذا الجالس أن الجزء الذي أبكاني؛ هو حوار طويل عن الحب الصادق الذي لم أعرفه يومًا بين ليندا وسامر، وحوار عن الثورات العربية التي غيّرت مجرى كل شيء، وماذا كانت أحلامنا، وكيف أصبحت؟ لا يدري أن الكاتب في هذه الجزئية لامس قلوب كثير من الشباب الذين تبددت أحلامهم مع قدوم “كلاب سلطة” سلبوا منهم كل شيء؛ حتى كلماتهم لم تعد تنطق. هناك محادثة من رواية 1984 لجورج أورويل ملتصقة في ذهني أظن أنها لخّصت حالنا، أو على الأقل أراها مناسبة لما حدث لنا. حوار بين “وينستون” واللعين “أوبراين” تجده هنا:

 

حسنًا؛ لنعد لروايتنا مرة أخرى. 

باريس التي عُرفت بأنها مدينة الحب والرومانسية وعيد الفالنتاين أسفل برج إيفل؛ لم يعرفه أبطال القصة. وبدأ كل واحد منهم يروي ألمه الذي رافقه سواء في بلاده، أم بعد وصوله باريس. على أيّ حال يمكن أن اكتب للرواية مراجعة أو رأي صغير لاحقًا، لكن الرواية رائعة أخرى من روائع محمد طارق بعد سابقتها “كل الطرق لا تؤدي إلى روما”.!

إلى مصر الجديدة

حتى الآن لا أجد مبرر لإطلاق اسم “مصر” على القاهرة ككل، وعلى التقسيمة الجديدة فيها أصبح اسمها “مصر الجديدة”. المهم أنني ذاهبة لمصر الجديدة هذه لأول مرة اليوم. في بداية الرحلة لمصر الجديدة؛ أحتاج لساعة ونصف بعد أن أصل محطة المترو الأولى. يتوقف الميكروباص الذي جلبني من المنصورة عند مدخل المحطة الأولى “شبرا”.

للوصول لمحطة مترو شبرا يجب أن تبتاع عصير، وبسكويت، وربما أي سكاكر تحسبًا للقادم. أنزل من الميكروباص، أهبط أكثر من 30 درجة سلّم لنفق المشاة، أمشي في ممر دائري ضيق لمدة خمس دقائق تقريبًا. وصلت للجهة الأخرى من الممر؛ أصعد مرة أخرى على 30 سلمًا أو أكثر. أتمشى قليلًا في ممر يملؤه البائعين كسوق شعبي مصغّر لسلم آخر يفوق الـ 40 درجة سلم. 

حين أصل لباب محطة المترو في الأعلى؛ يجب أن أتوقف لألتقط انفاسي، واشرب بعضًا من المياه وعلبة عصير، واتنفس بعمق لأسحب أكبر قدرٍ من الأكسجين “الملوث” لرئتي. لا خيار آخر لديّ وإلا سأسقط مغشيًا عليّ. ضربات قلبي تصل ذروتها عند هذه النقطة من الرحلة!.

دخلت المحطة بعد أن مررت على جهاز التفتيش، نزعت سماعتي بضعة دقائق؛ أخذت تذكرتي، نزلت سلم آخر لرصيف المترو. وضعت سماعتي على رأسي مجددًا وانفصلت تمامًا عن العالم. أغمضت عيني، استمعت للموسيقى حتى وصلت محطة نزولي الأولى؛ “عتبة”. نزلت لأبدّل المترو لمترو آخر على خط ثالث.

مهندس محطات المترو -خصوصًا الجديدة- غالبًا كان يكره رؤسائه، وعمله، وعائلته، وزوجته، ونفسه وعالمه كله ليجعل ممرات محطات المترو طويلة بهذا القدر؛ كي يذيقوا ألم القدمين المبرح نتيجة المشي فيها. نزلت محطة “عتبة”، وذهبت في طريقي لمترو الخط الثالث حيث سأنزل في المحطة التالية “الأهرام”. مشيت كثيرًا جدًا داخل كل هذه الممرات اللعينة. من الجيد في المترو الثالث هذا أن عدد الناس قليلون نوعًا ما مقارنة بالخطين الأولين، كنا في الحادية عشر ونصف أو 12 ظهرًا تقريبًا.

لا تزال سماعتي تسليني وسط كل هذه الأماكن والممرات، والزحام، والدرجات (السلالم)، ركبت المترو، ووصلت الأهرام أخيرًا. أنا في “مصر الجديدة”. قالوا لي أن أذهب لموقف عربات في شارع صلاح سالم، أو عربات تعبر منه لأصل لعنوان المقر الهدف. وفي مصرنا العزيزة؛ لا تجد أحد يقول لك “لا أعرف”. الجميع يعرفون كل شيء، وهم لا يعرفون أنهم لا يعرفون!. سألت كثيرين عن موقف العربات هذا من ضمنهم سائق عربات في مكانٍ لا أعرفه؛ فيقول لي:

– شايفة العمارة دي، إِوْصلي لها هتلاقي العربيات هناك تحتها.

– أنا: متأكد؟

– عمّنا السائق: آه، هتتمشي شوية بس، انتوا لسه شباب ماشاء الله.

وكأن من المفترض أن يضيع شبابي في البحث عن عربات الميكروباصات مثلاً!. بدأت في السير وانظر للعمارة تقترب بعض الشيء، أنظر أسفلها، لا أجد لا عربات ميكروباصات، ولا يبدو عليها أنها محل انتظار أي وسيلة مواصلات أخرى. التقط صورة لمبنى طرازه مميز كسر حدة الإرهاق الذي بدأ يجتاحني من السير، وأحسست لوهلة أنني في شوارع برلين مثلاً.

حسنًا؛ الخبرة التي تعلمتها من رحلاتي للقاهرة؛ هو أن التاكسِ هو صديقي في حالات الضياع بسبب “فَتْي” الأشخاص في الشارع. تسأل سائق التاكسِ عن العنوان؛ يأخذك إليه فورًا حتى لو أضعتوا الطريق قليلًا. تدفع تكاليف الرحلة وشكرًا. وصدقوني؛ إن قال لي حينها أن التكلفة بخمسين جنيهًا؛ سأعطيه 51 !.

كان سائق التاكسِ أمين جدًا، توهنا كثيرًا داخل شوارع مصرنا الجديدة، وظل يسأل كل من يصادفه عنه حتى وصلنا إلى العنوان أخيرًا. تمنى لي يومًا سعيدًا ومضى.

إيديا سبيس – Ideaspace

                                                                               صورة من التدريب

الهدف الأول من الرحلة؛ الساعة الثانية عشر والنصف أو الواحدة ظهرًا تقريبًا. مقر التدريب؛ هكذا اسمه “إيديا سبيس – Ideaspace. كان تدريبًا لأصحاب المشاريع والشركات الناشئة؛ من أجل تحسين أداء عملهم سواء في تطوير الأفكار، طريقة عرض الأفكار، معرفة ومشاركة أعمال ومشاريع ناشئة جيدة لم يسمع بها أحد ربما. كانت لجنة التقييم في التدريب قيّمة. كان أحدهم “أمير برسوم” أحد المؤسسين في vezeeta، والآخر أحد الأشخاص المهمين في التخطيط الاستراتيجي في شركة Orange للإتصالات “لم اعرف اسمه كاملًا”.

عرضت مالدينا من مشروع بمشاركة فريق العمل الذي أعمل معه. تعلمت وتدربت وأخذت نصائح؛ خَلُصت جميعها إلى أن هناك أدمغة أخرى تفكر مثل الروبوتات. مبرمجة ولديها قاعدة بيانات لأي شيء. ذكرت في بداية حديثي أنني لا أحب عالم الأعمال؛ لكن سأحبه. سأحبه وأتعلمه لأن العالم يريد ذلك. 

فلنعطي للعالم ما يريد كي ننجو نحن!. عالمنا يسير بوتيرة سريعة نحو الذكاء الإصطناعي والأعمال المبتكرة. لنتعلم مبادئ ريادة الأعمال، التسويق، وإقناع الآخرين بما لايريدوه. فعالمي الأسطوري من التأمل في النجوم وروعة الفضاء، وموسيقى هانز زيمر الذي أغوص فيه؛ ربما لن يكون الأولوية بعد الآن!.

إلى رمسيس

انتهينا الساعة الرابعة تقريبًا في إيدياسبيس؛ خرجت من المبنى واحتضنت رأسي سماعتي الحمراء الرائعة. مشيت بجوار “الكلية الحربية” لمدة ربع ساعة أو أكثر بحكم وجودها في المكان؛ وصولًا لمفترق طرق. نظرت أمامي وجدت “متحف القوات المسلحة”. ضحكت في نفسي وسكت.! سمعته قادم من بعيد، أحد سائقي الباصات ينادي “رمسيس”. ركبت الباص، تجول في مصر الجديدة بعضًا من الوقت. التقطت صورًا أخرى لمعالم لا أعرفها عدا مسجد “النور”. 

نزلت محطة “رمسيس”، وكنت في طريقي أبحث عن ميكروباص آخر إلى وجهتي النهائية لهذا اليوم؛”التحرير”. وأنا اتمشى داخل رمسيس الشاسعة باحثة عن هذا الميكروباص؛ وجدت مدخل المترو بجواري دون سابق إنذار. حمدت الله أنني عثرت على مدخل قريب لمحطة رمسيس “الشهداء”؛ نزلت نحو 15 درجة سلّم، استقليت المترو من محطة الشهداء في طريقي للمحطة التالية “السادات” التي يعلوها ميدان التحرير؛ حيث يقبع الفندق الذي حجزته مسبقًا.

في ميدان التحرير

أعتمد في رحلاتي دائمًا على GPS إذا كنت ذاهبة لمكان مسجل عليه. وكنت بحاجة شديدة لهذا الـ GPS للوصول للفندق في شارع طلعت حرب؛ فأنا لا أعرف أين مكانه تحديدًا في الشارع. خرجت من محطة مترو “السادات” داخل ميدان التحرير. مشيت عشر دقائق حتى وصلت إلى الشارع القريب من شارع الفندق. هنا فرغت بطارية الهاتف، وتوقف الهاتف عن العمل، وأنا في كامل إرهاقي وحيرتي؛ ماذا سأفعل؟

وجدته في الشارع يجلس مفترشًا ساحة بها عدد لا بأس به من الكتب. الشيء الوحيد الذي هوّن عليّ فراغ شحن هاتفي وحيرتي الآن. اشتريت منه رواية “شيفرة بلال” للدكتور أحمد خيري العمري استعدادًا لليلة. كنت قد انهيت رواية “باريس لا تعرف الحب” في الطريق للقاهرة صباحًا، وكان يجب أن أقتني رواية جديدة. كان البائع لطيفًا في حديثه نوعًا ما. 

اشتريت الرواية وانطلقت في شارع موازٍ لشارع طلعت حرب أبحث عن أي مكان أضع فيه هاتفي ليستمد منه طاقة كهربائية. وجدت محل عصائر صاحبه متعاون جدًا وصريح. رفض أن “أشحن” هاتفي في المحل بصراحة شديدة. تركته ومشيت، ولم يساعدني عقلي المرهق على أن استجمع بضع كلمات أقولها له أو لنفسي.

ذهبت لمحل آخر في أول شارع طلعت حرب؛ يصادف أنه محل عصائر آخر مقابل محل “عمر أفندي” هناك. سألته عن فندق “لوتس” أين يقع هنا؟ قال لي:

– فين بالظبط عشان أوصفه ليكي؟ رقم كام شارع طلعت حرب؟!

وقفت مندهشة؛ لم أعلم أن أرقام (12، 4، 9،…) أي أرقام للشوارع لها أهمية هكذا. لم أحفظ الرقم في العنوان، وهنا اضطررت أن أخبره أنني بحاجة لشحن هاتفي كي يعمل لأجد الرقم. مجرد ما أكملت سؤالي عن؛ هل بإمكاني وضع هاتفي على الشاحن دقيقة؟ قالها صاحب المحل:

– اتفضلي يابنتي، شيل يا محمد فيشة السخان مالوش لازمة… معاك شاحن ولا أجيبلك؟

– معايا ياعمو، شكرًا.

– هات يا محمد كرسي للآنسة.

جلب محمد لي كرسي، جلست عليه أستريح من المشي الكثير. المشي لعين في القاهرة، ومحطات مترو القاهرة، والمشي في الإتجاهات المعاكسة الذي تبذله نتيجة لوقوعك في طريق أشخاص يصفون لك عناوين خاطئة، ولا يكلفون أنفسهم بقول “لا أدري”. المشي الطويل، والصعود والهبوط بحقيبة ظهر ثقيلة طوال اليوم لعين ومرهق. جلست وطلبت كأسًا كبيرًا من عصير المانجو اللذيذة. كنت بحاجة كبيرة لشرب أكبر قدرٍ من العصائر المحلاّة هذه اللحظة. شربت كأسًا كبيرًا بالفعل، وسألت صاحب المحل:

– أنا هقعد شوية لغاية ما الموبايل يشحن شوية، فيه مشكلة؟

– اقعدي يابنتي لغاية الصبح، أنا قولتلك لأ.!

وجلست نحو 20 دقيقة حتى وصل شحن هاتفي لـ 15%. خجلت من جلوسي في المحل أمام الداخل والخارج. شكرت “عمو” الرجل الطيب هذا ودعيت له بالرزق الحلال الوفير؛ وانطلقت. وصلت أخيرًا للفندق بعد ما مشيت له نحو 20 دقيقة. مدخله صدّر لي شعور بأنني وصلت المنزل. يقع في الدور السابع في مبنى كبير، يتمتع بمصعد خشبي يصلح لتصوير أفلام الرعب ربما.

وصلت الفندق، أكدت الحجز check- in. استلمت مفتاح غرفتي، دخلت لأجد أنني عدت في كبسولة زمنية لستينات القرن الماضي. طلاء الغرفة أخضر ونصف الحائط ديكور خشبي، أرضية سيراميكية خشبية المظهر، صورتان صغيرتان للطبيعة تزينان الغرفة، هاتف عتيق من زمن مضى، سريرين مرتبين يعلوهما مصابيح صغيرة، حوض غسيل خاص في الغرفة وهذا أفضل ما وجدته فعلاً.

إحساس بالدفء والهدووووء، والإطمئنان تملّكني. كنا في السابعة مساءً تقريبًا. طلبت غداء أو عشاء من البيتزا الإيطالية الكبيرة وفطيرة حلوى. وصل الديلفري، تناولت طعامي حتى شبعت وكأنني لم أمر بكل هذا طوال اليوم… وضعت رأسي على الوسادة، أغلقت الأضواء عدى مصباح صغير فوق سريري؛ ورحت في نومٍ عميق جدًا وهادئ في أقل من دقيقتين حتى الواحدة والنصف صباحًا.

في الجزء القادم؛ سأروي اليوم الأهم… يوم وزارة الإتصالات الجميل!

Journas

Never miss a story from us, get a weekly update to your inbox