أن تعلو نفسك

0 sec read

نعيش في كل لحظة درجة من درجات الخوف من اللحظة التي تليها نظرا للمتطلبات المتزايدة للواقع المادي الذي يفرض صفاته الجامدة على صفاتنا البشرية. يسعى كل فرد منا وراء طموحات هي حقوق أصيلة في مجتمعات أكثر إنسانية، وأضف إلى ذلك أهداف استهلاكية غرضها الأول اثبات التميز. يتوهم بعض مرضى القلوب أن بالتعالى على الآخرين والنقص من شأنهم يمكنهم تحقيق تميز على المستوى الشخصي أو الاجتماعي أو المهني.

نحب ذاتنا ونزهو بها بدرجات مختلفة؛ فكل فرد معجب بتفكيره وأسلوبه وطريقة عمله، كما قال المثل الشعبي “كل واحد عجبه عقله”، حيث يختصر معنى المثل أن كل شخص معجب بما وصل إليه، ولكن شر الشرور أن تعلو نفسك وتشعر أنك أعلى من الجميع، وكأنك تمشي فوق رؤوسهم. ذلك الشعور المتعالي الزائف يصاحبه دائما نقص في صاحبه، يحاول بتكبره وتعاليه حجب الأعين عن اكتشاف ما يعانيه من نقص. هناك من يزهو بماله، هناك من يتكبر بسلطته، هناك من يتعالي بعلمه.

الزهو بالمال

أحد الصور المنتشرة خصوصا وسط ما يفرضه الواقع المادي في التنافس في مستويات الرفاهية. يظهر الزهو في المال في صورة ملابس “براند”، مطاعم “براند”، مدارس “براند”، نوادي “براند”، وأيضا مدرسين خصوصين “براند”! أضف إلى ذلك رفع سقف مستوى السكن بأشكال مبالغ فيها يتنافس فيها الجميع من أجل الشعور الزائف بالتميز. فيتنافس من يتنافس في إثبات أنه الأفضل على الرغم أنه ربما لا يستسيغ بعض الأشياء التي يتنافس من أجلها، ربما لا يحب طعام مطعم معين ولكنه لا بد أن يظهر معجبا بل مغرما بهذا المطعم فقط من أجل الشعور بالتميز!

التكبر بالسلطة

السلطة تفتح باب من المفاسد، أولها فساد نفس صاحب السلطة نفسه، فالنفس البشرية الهشة تضعف أمام شعورها الزائف بأنها تتحكم في مصائر البشر؛ حتى يشعر صاحب السلطة بأنه محور الكون أو أن تعلو نفسه وتشطح حتى يشعر بالإلوهية أو أنه صورة الإله في الأرض. معضلة السلطة؛ أنه حتى النفوس المتواضعة البعيدة كل البعد عن التكبر، تضعف في مواقف الاطراء سواء المستحق أو النفاق، وتبدأ النفس في صنع فجوة بينها وبين الآخرين إذا استسلمت لذلك الشعور، ومع الاستسلام كل مرة تعلو النفس مرة بعد مرة حتى تصل لحد الفجور.

التعالي بالعلم

أحقر أنواع البشر المتعالي بعلمه، فما يحمله أمانة فرض عليه أن يستمر في نقلها، حيث أن نقل العلم شرف في الدنيا وجزاء حسن في الآخرة ويستمر هذا الجزاء بعد الممات. فصاحب العلم إما متواضع أو فاجر سواء صاحب العلم الدنيوي أو الديني.صاحب العلم المتواضع ومهما بلغ من غزارة العلم؛ يعلم أنه مهما وصل بعلمه لن يحصل قطرة في بحر العلم، لذلك يعلمه العلم التواضع، أما العالم المتكبر دائما يداري ضعف علمه وحجته بالتعالي والتكبر على الآخرين. نعاني حاليا من انتشار المتعالين بعلمهم سواء كان علم حقيقي أو زائف، ويقابلون من يسأل بحسن نيه بأجوبة مغلفة بالتفاخر والتعالي. ربما لا يزعجني أصحاب العلوم الدنيوية أكثر من أصحاب العلوم الدينية وما يثيره البعض من تبجح في بعض الأوقات، فتجد الرد على بعض التساؤلات التي تأتي على غير الهوى في صورة احتقار أو سب في بعض الأحيان. وهناك من يبالغ ويغتر بعلمه حتى يشعر أن له الحق في الحكم بأهلية فلان بدخول الجنة أو النار، وهناك من يشطح ويقفل بابه في وجه راغب في العلم لمجرد أنها أثنى؛ لن أنسى أحد المشايخ الذي سب متصلة على الهواء وقال لها: العلم للرجال فقط، ويقفل بابه ألف مرة أمام كل من يخالف أهوائه.

أما المتكبرين من أصحاب العلم الدنيوي، فقد نزعوا أهم صفة من صفات العالم أو المتعلم، وهي النقاش والبحث من أجل الوصول إلى الحقيقة، حيث نعيش في عالم يملأه نظريات وفرضيات وأيضا خرافات وكلها تتغير بتغير الوقت، وذلك يستدعي احتمالات نقد النظرية بالخرافة بل نقد الحقيقة – طبقا لمعطيات اعتبارها حقيقة – ذاتها، وفي تلك الحالات لابد من التروي والتفهم إذا كن الغرض نشر العلم وليس التعالي بالعلم وتجهيل الآخرين بإثبات محدودية علمهم بدل من اثبات صحة العلم ذاته.

أوتوجراف

أثناء دراستي في الصف الخامس الابتدائي قمت بشراء “أوتوجراف” ليكتب لي زملائي وأستاذتي كلمة أتذكرهم بها في حال شاء الله أن لا نتلاقى مرة آخرى. قد كتب لي والدي “إذا دعتك قدرتك على ظلم الناس فتذكر قدرة الله عليك”، تلك الجملة هي خير ختام، وأسأل الله تعالى أن يجعل قدرتنا في طريق تحقيق صالح الأعمال.

Journas

Never miss a story from us, get a weekly update to your inbox