العِشقُ اليُوسُفِي!

0 sec read

أتُراها في العشق زُليخا؟ أم تُراه في الهجرِ كيوسف!

خُلق العشق في قلبها في طُرفة عين، ولدَ في لحظةٍ لم تتوقع قط أن يولد فيها أي شيء، وبدون مقدمات تَسقطُ عاشقةً فبات العشقُ هو أجمل أحلامها.

بدأت في البحث عن نفسها في أركان من تُحب، كلما نظرت في عيناه تبهرها تلك الطاقة النابضة في قلبها لتُمدها بالحياة، فها قد وجدت من تفني العمر لأجله، من تقول للدنيا بسببه “فيكِ ما يستحق الحياة”.

انطلقت رحلتها في حدود الحُبِ ليقودها بجماله إلى عالمٍ غير محدود، ليكون الإنجذاب هو الشعور الذي اخترق قلبها لينبض بشكلٍ غير مألوف، حتى تحول بنظرات عيناه إلى رباط قوي يمنح قلبها أمانًا لم تذقه قط.

فيسير ذاك الرباط على سبيل العشقِ، العشق الذي بنته على الثقة بمعشوقها، وبروحه، ونقاء نفسه.

الثقة التي تعتبرها أكبر من العبادة، فـ العبادات التي تؤدى بدون ثقة اليقين بالمعبود لا تُقبل.

فعشقٌ كهذا تغمرهُ الثقة سوف يأخذ قلبها نحو الشغف، ذاك الشغف الذي يحوي بين طياته نفحات هوس الجنون!

أهكذا كان عِشقكِ يا زُليخا؟

سلب العشقُ قلبكِ وعقلكِ حتى أصبحتِ حديث نسوة المدينة، أن قد شغفكِ عشق يوسفَ فقادكِ للجنون!

جنون العشق الذي يصلب الروح موتًا، إن لم ينتهي بقلب المعشوق!

ولكن أوليس للموت في العشقِ ألوان، وأشد ألوانه آلمًا هو الغياب الملتحف بسماء الإنتظار!

ذاكَ الغياب الذي ملئ عيناها غضبًا وقهرًا وخذلانًا حتى تبللت وجنتيها بسوائل الاشتياق، لتبكي كل شيء!

لم يكنْ بُكاؤها عاديًا، لم يكن بُكاءً بقدر ما كان اختناقًا بمزيجٍ من الحبِ والفقدِ والشوقِ والحُزنِ، بكت لقلة حيلتها حين رأت معشوقها يلملم متاعه سالبًا قلبها وروحها مهاجرًا بلا عودة.

فحين نوشك على السقوط يكن البكاء هو جزء من تقدير خسارتنا فـ نتشبث بدموعنا من الفاجعة الكبرى ظانين أن الألم سوف يخف وطؤه ولكن لم نكن نعلم بأننا نزيد الطين بلة، والجرح ألمًا.

فيقوى الوجع بمقدار الغيبة، ويمضي العمر بطول الانتظار!

أغرقها البُعد في خيبةٍ مؤلمة لتصبح لا تملكُ أي شيء، هي التي ملكت كُل شيء بوجود يوسُفها.

لربما يومًا ما سخرت من ألم كهذا لأنها لم تُجربه، لكنها الآن أدركت أن أكثر ألآمنا إيجاعًا تلك التي نسخر منها، حتى أصبح قلبها بلا نبض في روحٍ بلا جسد.

فما أبشع أن تحيا لأجل الموت!

لهذا قيل يومًا أن هناك قلوب لا يليق العشق بـ نبضاتها، قلوبٌ يتمثل فيها العشق اليوسفي، لربما كانت منهم فحين عشقت يوسفها بدون مقدماتٍ فقدته، لتفقد نفسها معه دون أن تدري، عشقته لدرجة الجنون، وكل ما تمنته أن تكون لهُ عونًا وسندًا، أن تكون ملجأهُ وملاذه من الحزنِ وسلامهِ في كل الحروب.

أرادت أن تسكُن قلبه كامٍ ورفيقة وحبيبة كي تُسكنهُ جنونَ العاشقين بلوعة العشق في قلبها.

لكنه ابتعد كيوسفِ، أتراهُ مرغمًا فتبَّيض عيناها حُزنًا كـ يعقوب، وهل يشفي القميصُ جرحها؟

أم مُختارًا فيشيب قرناها في سجن الانتظار كـ زليخا، فلما يرحل مخلفًا الجروح دومًا؟

ولكن أي قلبٍ في الحالتين تملك كي ينتظر من العمر عشرين ليلتقي بـ يُوسفها مجددًا، تحتاج لأن تسير على خُطى يعقوب في العشقِ لكى تهتدي، وتصبر كصبر زليخا كي تَنول.

لأي حدٍ سوف يقودها هذا الجنون، هي التي لطالما أمنت أن العشق ليس له حدود، فأي عشقِ هذا الذي يأكل بالصمت قلبها، وهي لا تعرف للبوح سبيلًا.

فها قد وصلت بعشقها حد الجنون، حد الموت لأجل من تُحب!

فهل تُراها في العشقِ زُليخا فتنتظر!

أم تُراه في الهجرِ كيوسف .. فيعود!

Journas

Never miss a story from us, get a weekly update to your inbox