مراجعات: «علياء المهدي» وسؤال الجسد في ثورة يناير

19 sec read

في لحظة معتمة من التاريخ المصري الحديث، حقّ لنا العودة لنقطة مضيئة، بحثًا عن حقيقة، أو مُراجعة لأخرى. مرت سبع سنوات تقريبًا على الثورة المصرية 25 يناير 2011. عامٌ صخب، رحل عنّا ولا نعرف إن كان بإمكاننا إعادته مرة أخرى. حتى خيار الإعادة غير مُتاح أمامنا. لكننا نعي أن الإعادة تكرار، ومن الحماقة تكرار استقبالنا للأمور بسذاجة استقبالها أول مرة. ما فعلته بنا 2011 تركنا في مفترق طرق، جميعها ينتظر مَن يُمهده. بعضنا سلك طرقًا مألوفة نسبيًا، وبعضنا اختار طرقًا مهجورة ومخيفة. ربما اختلفت اختياراتنا، وربما تسببت سذاجتنا في وصم اختيارات الآخرين، لكن الأكيد أن كل الطرق التي سلكناها بإراداتنا أو بدون، كانت اتجاه واحد نحو الوعي ولا عودة منه.

واحدة من هؤلاء اللواتي سلكن طريقًا مختلف هي الناشطة علياء المهدي. أثارت المهدي جدلًا موسعًا في العالمين العربي والغربي بعد نشرها لصورتها عارية على مدونتها، أكتوبر 2011. هناك من دعم اختيار علياء في التمرد بطريقتها الخاصة، وهناك مَن هاجمها. كذلك اختلفت صورتها في الإعلام، بين تأييد وهجوم في الغرب وفي البلدان العربية. أصبحت علياء حديث الساعة بعدها لمدة أشهر، تلقت على إثرها تهديدات وحملات تنمر وبلطجة، بعدها تركت مصر حتى اليوم.

لماذا علياء المهدي؟

ما أثارته علياء المهدي بصورتها لم يكن جدلًا لحظيًا. بخلعها ملابسها، تصرفت في جسمها بما اقتنعت به. وإن كان في العُري خزيًا، فإن ما تعرى كان نحنُ. هؤلاء الذين يسكنون نفس المعسكر المسمى بالثوار والمُنقسمين إلى حين. علياء كانت الصفعة التي تلقيناها جميعًا عن سؤال الحرية وأجسام النساء وعلاقته المعقدة بالنظامين الثقافي والاجتماعي السياسي. هل ممكن أن تكون النساء فاعلات في أجسامهن دون أن يكون سياق مناقشة هذه الفاعلية هو تعرضهن لإنتهاك؟

اليوم يوم عادي. مظلم كما عبّرت سابقًا. مُظلم لأنه أحد أيام مجموعة من البشر تغلق السلطة أمامهم كل يوم منفذ للمجال العام. في الظلام نكتشف قدرتنا على الرؤية، ونكتشف بدائلنا إن عجزنا عنها، باللمس، بالحرص، بالسمع، وبالرجوع خطوات بسيطة للخلف.

الرجوع اليوم عن أجسام النساء في سياق الثورة المصرية، عن طريق مقابلة مع علياء المهدي، تتحدث فيها عن دوافعها في نشر الصورة، وعن توابع النشر. تستفيض في شرح ما أنابت عنها فيه وسائل الإعلام، فنقلت صورة غير الصورة. وتفتح معنا أبواب الأسئلة عن موقعنا كنساء في هذا السياق المتداخل بين السياسة والمجتمع، والدين. اليوم نتحسس ذلك الموقع من داخله تطلعًا إلى مخرج.

من خلال تعليق علياء المهدي على صورتها في جرافيتي جمعها بالناشطة سميرة إبراهيم، احدى ناجيات حادث كشوف العذرية مارس 2011، نرحل معًا في رحلة زمنية إلى أكتوبر 2011. نسترجع، ونُراجع، ونتراجع إن أمكن.

جرافيتي من رسومات عمّار أبو بكر، فنان جرافيتي، رسمه على حائط مجلس الدولة دعمًا لسميرة إبراهيم في قضيتها التي رفعتها ضد المجلس العسكري – نوفمبر 2011.

Photograph by Gigi Ibrahim Title: Women in the revolution. Source Wikimedia Commons

ما رأيك في هذا الجرافيتي الذي يصورك جنبًا إلى جنب مع سميرة إبراهيم؟

أعتقد إن الجرافيتي يحتوي على رسالتين. الرسالة الإيجابية هي مقارنة رد فعل المجتمع تجاه امرأتين، إحداهما تعرضت للإنتهاك والأخرى تعبّر عن ذاتيتها الجسدية. رد الفعل تجاه الأمرين لم يكن ضد العري لو كان بهدف السيطرة على أجسام النساء، ولكن ضد أن تتصرف كل امرأة في جسمها بحرية.
أما الرسالة السلبية، مع احترامي لسميرة إبراهيم، هو أن الجرافيتي يقدم سميرة كأنها أكثر احترامًا مني لأن ما اختبرته من كشوف العذرية كان على غير رغبتها. في نفس الوقت يوصمني، بنفس الطريقة التي يدّعي الرسام أنه ينتقدها.

إقتباسًا من كلام عمّار أبو بكر، هل ترين أي تشابه بين وجهة نظره بما أنه صاحب الرسمة، وبين قراءتك أنتِ لها؟

“أنا رشيت رسمة علياء المهدي جنب رسمة سميرة، علشان شايف إن علياء لازم تتخلِد، وتتواجد في الشارع. وكنت عاوز استفز الإسلاميين اللي خلّوا عدد زوار مدونة علياء المهدي يعدّي الـ4 مليون، وقت لما مكنش حد مركز أصلا مع سميرة وبنات تانية والجيش بيكشف على عذريتهم. أنا فاكر كويس إننا كنا أقل من خمسين نفر أدام مجلس الدولة بندعم سميرة. وعمومًا، أنا مكنتش ناوي أقارن علياء بسميرة، حتى لو كانت علياء نفسها سابت مصر في الوقت اللي سميرة فيه واقفة لوحدها أدام المجلس العسكري. وبالتالي، أنا مستخدمتش جسم علياء إلا لإستفزاز الإسلاميين، واللي هي نفسها استخدمته لكدة، وأنا كنت في صفها. كانوا مهووسيين باللي عملته علياء وهددوها بالقتل، ومكانوش مهتمين بقضية سميرة، واللي كانت أهم سياسيًا.”

بالتأكيد. أتفق مع عمّار أن الإدانة المجتمعية للنساء تقتصر على حرية تصرفهن في أجسامهن، ولا إدانة مماثلة إن تعرضت نفس النساء للإنتهاك. أنا مختلفة معه في نقطة أخرى. هناك عدد كبير من المجموعات دعمت سميرة إبراهيم فقط لأنها تقف ضد المجلس العسكري، وتغاضوا تمامًا عن انتهاك زملائهم “الثوريين” للنساء في أحداث سياسية أخرى، ليس الإسلاميين وحدهم. عذرًا، لم يتغاضوا فقط، بل ساوموا هؤلاء النساء على السكوت حتى لا تتأثر أهدافهم السياسية.

هل تُشيرين بالإنتهاك الجسدي إلى أحداث الإعتداءات الجنسية في ميدان التحرير نوفمبر 2012، وما تلاها؟

نعم. شهدتُ ذلك بنفسي في منتصف 2011، يحدث لأخريات، لكني لم أختبره شخصيًا. أنا اختبرت “العزل” في ميدان التحرير.

ما هو العزل؟

أن تكون النساء في مجموعات يتم إحاطتها بمجموعة من الرجال بهدف الحماية. واختبرت أن يعلّق شخص مجهول في الميدان على مظهري الخارجي وملابسي، لأنه معتقد أن كل المتظاهرات “الثوريات” مسئوليته وشرفه.

بإمكانك إطلاعي أكثر على كيف أعتبر هؤلاء أجسام المتظاهرات في ميدان التحرير “شرف ثوري”؟

نعم. القائمة تطول:
1) مطالبة المتظاهرات التصرف بطريقة معينة والإمتناع عن أخرى، “لحماية سمعة الثورة”.
2) وضع لافتات لقواعد تواجد المتظاهرات في الميدان، مثل التوقف عن التدخين في الإعتصام، وعدم المبيت ليلًا.
3) العسس للتأكد من أن المتظاهرين لا يُمارسون أي أفعال جنسية في الإعتصام، بداية من مسك الأيدي او حتى الإحتضان.

هل تعتقدين أن هذه القواعد كانت لنفي الشائعات التي أطلقها النظام بأن المتظاهرين يُمارسون الجنس في الخيام، أم أنهم هم أنفسهم لديهم نزعات هيمنة على النساء أينما وجدن؟

كلاهما. أعتقد في أوقات التغيير لا يجب أن توضع حقوق النساء في آخر قائمة الأولويات للمساعدة في قبول تغيرات مُعتقد أنها أهم ولها الأولوية. هل يمكننا الهتاف بالحرية ونحن نقهر آخرين؟ لا أعتقد. ما أعتقده هو أنه لن نبلغ أي تغيير إلا لو واجهنا الهرمية التي يُبني عليها الاستبداد ككل.

رجوعًا لجملتك: “أنا وسميرة استخدمتنا مجموعات لا تآبه بحقوق النساء”. بعض الأكاديميين انتقدوكِ ووصفوكِ بأنكِ منغلقة على ذاتك، ولا تعني إلا بمعركتك الشخصية فقط، وأنك تصرفتِ بأنانية تجاه ملف حقوق النساء في مصر. مثلًا: بعض هذه الإدعاءات أدانت تجاهلك لقضية كشوف العذرية والإعتداءات الجنسية الجماعية. ماذا تعتقدين أنتِ حيال ذلك؟

أعتقد أنها مجرد تخمينات. يخبروني، أنا وشابات مثلي، ألا ندافع عن حقوقنا الخاصة من أجل الصالح العام، أو بالأحرى ما يعتقدون أنه أهم من تلك الحقوق. ويتم بعد ذلك تجاهله، كما حدث مع المتظاهرات في الثورة. أعتقد أن القمع السياسي والفقر مهمين وأنهم جزء هام من الصورة الأكبر، لكني اختارت أن أنخرط في قضايا لا ينخرط بها كثيرون: حقوق النساء، المثلية الجنسية، حقوق الحيوان، حقوق الطفل، والحقوق الفردية.
ليس هناك ما يُعيب الإنسان أن يُدافع عن حقوقه الشخصية فقط، بالأخص إن كان تعرض شخص ما للتمييز يجعله أكثر وعيًا به.
قضيتي الشخصية تلك، تهم آخرين أيضًا. هؤلاء الذين لا يعيشون الحياة التي تمنوها دون أن يتم التنكيل بهم وتهديدهم لاحقًا.

ردًا على إدعاءهم أني حاربت ضد حقوق النساء، فإن معاركي في صلب الاعتقادات التي تُسبب كل هذا الكم من التمييز والعنف ضد النساء، وليست تلك المعارك التي أقصى طموحها هو تحسين ظروف استعبادنا. بالطبع، لن يتم قبول هذا بسهولة في مجتمع متعصب للجنس، ولكنها الطريقة الوحيدة لتغيير حقيقي.
يُمكن أن أذكر أيضًا بعض ما تعانيه النساء الذي لم يحاربوا هم من أجله. رغم استحالة أن يعلق انسان واحد على كل المُجريات من حوله، اتخذت ردود أفعال وكتبت مقالات عن إعتداءات التحرير. أدنتها كآداة لانتهاك فاعلية النساء في أجسامهن، وليس كانتهاك لما يُعتقد أنه شرف عائلاتهن.

ذكرتِ منذ قليل أنه تم “إساءة تمثيلك”. ماذا عنيتِ بالتمثيل؟ وهل هناك أي أمثلة؟

قد يأخذ الأمر أسابيع، لو أني ذكرت كل مرة تمت فيها إساءة تمثيلي في الإعلام. في مقال ما، مثلًا: مذكور على لساني أني استمتعت بالاهتمام حول شخصي، بينما كانت اجابتي أن هذا الاهتمام ساعد رسالتي على الوصول لعدد أكبر من الناس.

ماذا كانت رسالتك من نشر الصورة يا علياء؟ وهل استهدفتِ الإسلاميين فقط -كما قيل عنكِ؟

رسالتي هي أن جسمي ليس آداة جنسية، ولا سلعة. ولم يكن الإسلاميين وحدهم هم المستهدفين، بل المجتمع ككل. كانت رسالة تشجيع أيضًا لكل النساء اللواتي كنّ على نفس موقفي من مجتمع يُميز ضدنا على أساس الجنس.

بسبب هذه الرسالة اتهمك بعض الباحثين بتبني نهج نسوي إمبريالي جذاب أكثر في أوسط النسوية البيضاء. هل ترين أن هذه الاتهامات كانت ثمنًا لتوصيل رسالتك؟

لا أعتقد أن هناك نسوية شرقية ونسوية غربية. النسوية هي المساواة التامة بين الجنسين. كل النساء يستحقّن ذلك، بما فيهن نحنُ، النساء غير الغربيات. الواقع هو أن هناك بعض ما تم إنجازه على مستوى قضايا النساء في الغرب. أوضاع النساء هنا ليست مثالية أبًدا، أؤكد لكِ ذلك بعد إقامتي في السويد لسنوات.

تظاهرتِ عارية ضد دستور الإخوان المسلمين وضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ولذلك استخدمتك بعض الصحف الأجنبية كأيقونة مقاومة ضد الإسلام السياسي. هل هذا ما أردته عندما نشرتِ صورتك عارية لأول مرة؟

استهدفت الإسلاميين فقط باعتبارهم جزء من مجتمع يُميز ضد النساء، ولكنهم أبدًا لم يكونوا هدفي الوحيد. أعتقد أن الدين الإسلامي دين مُتحيز ضد النساء ويؤصل لهذا التحيز بجعله مقدسًا. ولكن هذا التحيز لا يقتصر على الإسلام وحده.

كما ذكرتِ، استهدفت الإسلاميين كان جزئيًا، ما الذي دفعك لاستهدافهم في سياق الثورة المصرية؟ هل كانت هتافاتهم “إسلامية إسلامية” ناقوس خطر ضد حقوق النساء؟ أو كان تعاونهم مع المجلس العسكري وصفقاتهم السياسية هو دافعك الرئيسي؟

كما أخبرتك سابقًا، لم استهدف الإسلاميين فقط، ولكن المجتمع كله.
أرى أن أوضاع النساء في مصر لم تتغير كثيرًا باختلاف النظام السياسي. الإخوان المسلمون ليسوا في السلطة الآن، ومع ذلك الأمر دائمًا سئ في ما يخص حقوق النساء.
الحكومة الحالية غالبًا ما تتصرف ضد حقوق النساء حفظًا “للأخلاق العامة”. ولاتزال الشريعة الإسلامية لها تأثير سلبي على القوانين وعلى المجتمع، بغض النظر عن إن كان الإسلاميين في الحكم أو خارجه.

هل كانت هذه السياسات التي تنتهجها الدولة ضد أجسام النساء، واحدة من ضمن فئاتك المستهدفة بنشر الصورة الأولى؟

نعم. يُمكن أن نقول أن كل هؤلاء استهدفتهم من نشر الصورة، وليس هناك فئة مستهدفة وحيدة.

كيف أثرت فيكِ الثورة؟

الثورة أثرتِ فيّ، ولكن حتى لو يكُن هناك ثورة، كنت أقوم بالتدوين باستمرار عن حقوق النساء ومُتخذة قراري بالإنفصال عن أسرتي. ولكن أحداث الثورة جعلتني أشعر بأن هناك شيء كبير يحدث، ولابد أن أشارك فيه. لا أجلس كالطفلة محبوسة في المنزل، وعاجزة تمامًا، رغم كل طاقاتي وحماسي. وأثرتُ في وجدانيًا لأني رأيتُ أشخاص يحاربون من أجل أهدافهم، وهذا مُلهم.

هل ألهمتك الثورة، فقررتِ نشر الصورة؟

كنت سأنشرها على أي حال. ولكن في خضم الثورة شعرت بأن هناك تهميشًا لحقوق النساء، وأن هذا الوقت مناسب لثورة أخرى ضد التمييز على أساس الجنس. وليس ما آلت له الأمور في ما بعد، كما سُئلت مُتظاهرات في الميدان عن سبب تواجدهم في الشارع، أو يؤمرن داخل الميدان بتغطية أجسامهن.
أما الصورة فأنا عبّرت فيها عن نفسي. الصورة بها تفاصيل كنت ممنوعة منها أو أتعرض للمضايقات بسببها. وأخذ الأمر مني وقتًا لتجاوز فكرة إن جسمي عار كما قيل لي. نشرت الصورة لأعبر أن جسمي لا يملكه رجُل، أو أداة لآخر؛ لأن أغلب الضغط علينا كنساء لتغطية أجسامنا يصُب في هذه النقطة.

رجوعًا إلى الجرافيتي، رسمك عمّار أبو بكر في الشارع لكنه كتب على نهديكِ ومهبلك، فغطّى ما أردتِ أنتِ كشفه.
هل أنتِ راضية عن صورتك في الجرافيتي، في ما يتعلق برقابة الرسام على جسمك؟

لا، كنت أفضل أن يتركها كما هي. لأنه بتغطيه جسمي أعطى رسالة أن هناك شيء ما خاطئ في صورتي: أن أجسام النساء يجب أن تُغطّى.

قال عمّار أنه “استخدم جسمك” بنفس طريقتك، وعنى بذلك استهداف الإسلاميين، أو “استفزازهم” حسب تعبيره. 

هل تعتقدين أن هذا “الاستخدام” لأهداف سياسية مختلفة وبتغطية جسمك، يتعارض مع الرسالة الأولى التي أردت توصيلها عن الذاتية وفاعلية الجسد؟

لا أملك أي سلطة على إعادة نشر المحتويات الخاصة بي على الإنترنت ولا كيف يغيرها الناس.
ولكن هناك فرق بين “استخدام” أجسام النساء بوصفها مُحفّز جنسي لجذب الاهتمام لحدث ،ما كما فعل عمّار. وبين استخدام النساء أجسامهن بأنفسهن للإعتراض على هذه الفكرة التي تعتبرهن أدوات جنسية، ولرفض الخزي الذي يتوقعون منّا كنساء الشعور به تجاه أجسامنا، كما فعلت أنا.
أيضًا، أنا نيوديست -متظاهرة عارية- لست مقتنعة بوجوب تغطية البشر لأجسامهن، بل أعتبر العري أداة تعبير فنية قوية. وآمل أن يفهم الناس ذلك، إن هم فقط أطلقوا سراح أفكارهم خارج القوالب الاجتماعية التي تعلمناها جميعًا.

ذكرتِ أن رسالة عمّار مختلفة عن رسالتك، هل ترين أن جسمك، بهذه الطريقة، أصبح معركة لم تشتركِ أنتِ فيها بشكل مباشر؟

أي شيء يُمكن تفسيره بطريقة خاطئة، ولكنه سبب غير كافي لعدم الإفصاح عن هذا الشيء. لو أني لم أعبر من البداية عن رسالتي، لم تكن لتتواجد أبدًا، حتى بتفسيراتها الخاطئة.

ألا تعتقدين أن هذا الفهم الخاطئ، “أنكِ استهدفتِ الإسلاميين فقط- أصبح هو التفسير السائد لرسالتك؟

لا أمانع إن وصفني أحد بأني ضد الإسلام؛ أنا بالفعل ضده لأنه دين مُتحيز. ولكني ضد اختصار رسالتي كلها في هذه النقطة، وكأن كل المشكلة هي الإسلاميين أنفسهم وليس المجتمع بأكمله. أنا ضد التعصب للجنس في العموم، حتى لو لم يكن الإسلام مصدره.
مرة أخرى، ليس الإخوان المسلمين أو السلفيين وحدهم الذين يستخدمون الدين للتمييز ضد النساء. الجرافيتي نفسه لم يستدعي ذكر الدين، ولكن أي شيء أفعله أنا يستدعي ذكر الإسلام. هذا لأن الأديان تُذكر في كل مرة تُذكر فيها النساء، لذلك تجنب الحديث عنها لا يُغير من هذه الحقيقة. وهناك بعض الأشخاص الذين صنفوني بمنتهى السطحية أني ضد الإسلام لمجرد أنني ليبرالية.
قطعًا، وجود الإسلاميين في السلطة والأجندة التي أرادوا تطبيقها مجتمعيًا كانت جزء من مخاوف أي شخص مثلي مهتم بحقوق النساء.
كما لو أنه كان التفسير الوحيد لرسالتي، لما راسلتني شابات أخريات بقصصهن.

هل كان لتاريخ نشر صورتك على المدونة 23 أكتوبر 2011، أي أهمية سياسية؟

لا.

ورد في وسائل إعلام مختلفة أنك غادرتِ مصر على إثر تهديدات من إسلاميين، هل هذا حقيقي؟

هذا حقيقي جزئيًا. الحقيقة هي أنني رحلت من مصر بسبب تهديدات من الإسلاميين وتهديدات من غير الإسلاميين. رحلت لأني لم أجد الدعم الكافي. رحلت لأنه تم طردي من جامعة القاهرة. رحلت بعد محاولة خطف. رحلت بعد الحكم علي بالسجن لمدة ثلاث سنوات، والتي لم يعرف عنها كثيرون حتى الآن، فقط والدتي، صديقي السابق، وبعض الناشطات بحركة فيمن.

بمّ أدانتك المحكمة؟

إزدراء الدين الإسلامي ونشر الفجور.

آسفة لأنك تعرضتِ لذلك، لم أكن أعلم عنه شيء حتى اللحظة.

لا عليكِ، هذه هي ضريبة الدفاع عن شيء ما.

صرّح المتحدث الرسمي لحركة 6 أبريل وقتها، محمود عفيفي، أنك لا تنتمين للحركة، وأن ما فعلتيه غير أخلاقي ويضر بالثورة.” علياء، هل تشعرين بالخذلان، لأن هناك مجموعات تُصنّف بأنها مجموعات “ثورية” كان موقفهم منكِ هو الإنكار؟

وقتها كنت تخطيت مرحلة توقع دعم مجموعات معينة للحرية وللمساواة من تجارب سابقة. وبعد الصورة تأكدت أكثر أن الشخص المُعارض للنظام السياسي ليس بالضرورة مُدافع عن المساواة والحريات الشخصية.

ما هو موقفك تجاه إنكار 6 أبريل لكِ؟

لم أكن عضوة بالفعل. لكن وقوفهم ضدي أو ضد المُلحدين وضع علامات استفهام حول محاولاتهم إرضاء الجمهور على حساب قضايا حقوق الإنسان عن طريق النبذ والوصم.
“مافيش فرق بين التفكير ده و تفكير شرف العيلة بس هنا شرف 6 ابريل ان ميبقاش عندهم بنات مش تحت السيطرة الذكورية.”

ماذا في بالك يخص هذه النقطة؟

أريد التعليق على أنه رغم مشاركتي في الثورة، هناك دائمًا محاولات لإقصائي عنها لمجرد أني ضد السيطرة الذكورية حتى ولو كانت من نفس الفصيل. كما أنهم يحتكرون مفاهيم مثل الحرية واللليبرالية الخ.

هل تشعرين بالخذلان ياعلياء؟

نعم، أشعر أن قليلون جدًا هم الصادقون مع كونهم ضد التمييز ضد النساء. كما أن هناك خيبة أمل، من أغلب الناس والمجموعات.

هل كان دعم المجموعات ليُسبب فرقًا في “أين أنتِ الآن”؟ هل مثلا التعبئة والحشد ضد قضية إزدراء الأديان المرفوعة ضدك، كما فعلوا مع سميرة وغيرها، كان هامًا لكِ؟ لما تم خطفك، مثلاً؟

أكيد. كلما ازداد دعم المجموعات لقضايا النساء كلما ازداد أمان العاملين على هذه القضايا، وتحسين لظروف النساء ككل. في السنوات اللاحقة، ظهرت مجموعات نسوية كثيرة وازداد عدد الفتيات المُستقلات، ما يُبشر بأن التغيير ممكن.

ماذا كان موقفك من إعادة نشر صورك الخاصة مع صديقك السابق، للتدليل على أنك ملحدة، وتمارسين الجنس مع شخص غريب؟

أنا بالفعل ملحدة ومع حرية العقيدة، وأرى أن الأديان تقف أمام المساواة. أدعم حقوق النساء في أجسامهن، وألا يكونن ممتلكات للأب. وأكثر شيء يغضبني هو أن تُنسب أفعال امرأة لرجل.

كيف؟

مثلا، تلقيت رسائل أن صديقي السابق هو الذي دفعني لنشر الصورة واتخاذ مواقفي من الحقوق المدنية، خصوصًا بسبب فارق السن بيننا والذي استخدموه لإرساء مفهوم أنه تم السيطرة عليّ، وبأني تحت هيمنته. أي ما فعلته نُسب له دون أن يعوا أن ذلك يُعد تمييزًا على أساس الجنس، وإنكار لإرادتي وحقي في جسمي وأفعالي.

هل تُريدين العودة إلى مصر؟

نعم، أشعر بحنين إلى مصر.

بإمكانك ترتيب مشاعرك تجاه مصر؟

حنين، غضب، ظلم، حزن.

…..

كان نفسي أكون بحارب من مصر.

لماذا مصر؟

لأني اتولدت هنا، وعشت هنا 20 سنة.

علياء، أود شكرك على المستوى الشخصي. عندما رأيت صورتك لأول مرة كنت مازلت مقيمة في بيت عائلتي، والكثير من أسئلتي عن المعايير الاجتماعية المتوقع منّا كنساء اتباعها، عن الذاتية والجنسانية تأثرت جدًا بعد رؤية الصورة وردود أفعال البعض عليها، بالأخص مَن يصنفون أنفسهم تقدميين.

أشكرك على المقابلة والأسئلة، أمر بفترة صعبة جدًا وكانت أسئلتك مُلهمة ومُحفزّة.

Journas

Never miss a story from us, get a weekly update to your inbox