ماذا يأخذ العريس مقابل «الشبكة»؟

18 sec read

هل يعطي الزوج لزوجته مالًا أبديًا في هيئة مصوغات ولا يأخذ بديلًا؟ وهل تستفيد العروس ماديًا من زواجها؟ ومتي يُمكن التنازل عن ماديات الزواج ولصالح مَن؟

حسنًا. لن تذهب بنا الإجابة بعيدًا عن الصور النمطية الملاصقة لأذهاننا عن ثنائية الرجل والمرأة وعن دورهما الاجتماعي.

فأغلب الرجال يتحملون عبء مادي في بداية الزواج -على الرغم من أن أغلب الخطيبات حاليًا يُشاركن بالنصف.

ولذلك؛ فمناقشة أمور مثل الشبكة وماديات الزواج، يجب أن يُنظر لها بعين الإنصاف للطرفين.

«الشبكة» والأصولية

الشبكة في مضمونها هي تقليد أصولي، يُكرِّس لنمطية الأدوار الاجتماعية.

فمنظومة الزواج الاجتماعية تشبه المسرحية ولكلٍ دوره في الحفاظ عليها، فالزوج يهتم بالأسرة ماديًا -مايتطلب وجوده خارج المنزل- والزوجة تعتني بالأسرة داخليًا، وهو ما يتطلب وجودها داخل المنزل.

والشبكة في رمزيتها تأصّل لدور الرجل كعائل للأسرة منذ البداية. وبشكل أكثر وضوحًا، فالعائل دائمًا هو صانع قرار مَن يعولهم، ولذا؛ فيُمكننا إعتبار الشبكة قبول ضمني لهيمنة الزوج على الأسرة، وتأكيد على ثنائية أدوار كلًا من الزوج والزوجة.

«الشبكة» والعمل المنزلي غير مدفوع الأجر

وإن كانت الشبكة تُكرس لدور الزوج المُنفِق خارج المنزل، فهي أيضًا تُكرس لدور الزوجة العاملة داخل المنزل.

وأعني بالعاملة هنا، وظيفتها المنزلية كزوجة وكأم. فإن كان الزوج يعمل خارج المنزل ليعول الأسرة، فالزوجة تعمل داخل المنزل أيضًا.

ولكن المُفارقة هنا أن عمل الزوج معترف به كعمل، بينما لا يُعترف بعمل الزوجة داخل المنزل، قناعةَ أنه "دورها".

ولأن مفهوم العمل مرتبط بالأجر، فمجتمعيًا؛ لا يعتبر العمل المنزلي عملًا "حقيقيًا"، حيث لا تتقاضى الزوجة عليه أجر من جانب، و حيث أنه دورها كامرأة من جانب آخر.

فالدور الاجتماعي للزوجة كامرأة يجعل منها القائمة الوحيدة بأعمال المنزل كالتنظيف والطبخ والإعتناء بالأطفال وتمريض مُسنين الأسرة.

ومن المهم الإشارة لعمل الزوجة المنزلي ك "وظيفة" ، وليس كـ"دور". وذلك لأن الدور يعني المساهمة والطوعية، في حين «الوظيفة» تعني الإنشغال بعمل يستهلك وقت ومجهود ويؤدي إلى إنتاج. 

ولعل هذا ما تقدمه الزوجة كشريكة، مقابل إعالة الزوج لها وللأسرة ماديًا. لذا؛ فالزوج كراعٍ مادي للأسرة، يعول الزوجة مقابل عملها داخل المنزل كزوجة.
فلن يستوِ الأمران إن قارننا بعدل ما يقدمه الزوج من رعاية مادية مقابل ما تقدمه الزوجة من رعاية منزلية.

ما بين عمل الزوج وعمل الزوجة 

فعمل الزوج بأجر، وله إجازات محددة المدة، وتأمين صحي واجتماعي، كما أنه يعمل عدد ساعات معينة فيم يملك باقي يومه يقضيه في الإسترخاء أو الترفيه والاجتماعيات. كما أنه في بعض الوظائف يكون للزوج مكافأة نهاية خدمة ومعاش.

أما في العمل المنزلي والذي تقع مسئوليته على الزوجة كامرأة، فهي لا تعمل بأجر، وغير مؤمَن عليها صحيًا أو اجتماعيًا، وغير موفر لها مكافأة نهاية خدمة أو معاش. أما عن عدد ساعات عملها، فهي مفتوحة وغير محددة سواء بعدد أيام العمل أو ساعاته.

فالزوجة تعتني بأمور المنزل طوال اليوم وعلى مدار الأسبوع، كما أن «وظيفة» الأمومة لا تجعلها حتى تحظى بساعات نوم كافية.

وفي هذا نجد أن الزوج كعامل بأجر خارج المنزل أكثر حظًا من الزوجة كعاملة بدون أجر داخل المنزل.

وما يجعله محظوظًا بجانب إمتيازات عمله هو أن عمل الزوجة المنزلي يشمل رعايته هو شخصيًا.

فيحظى الزوج بخدمة داخل المنزل دون أن «يدفع» ما تستحقه بشكل فعلي وهو بذلك يوفر من أجره الذي يتقاضاه، ما يُعادل أجر إضافي لعامل أو عاملة منزلية لرعايته ورعاية أطفاله.

فيُضاف ذلك إمتيازًا جديدًا لعمله خارج المنزل، بينما ينتقص من حق الزوجة كعاملة بداخله، لا تتقاضى أجر صافٍ بل يذوب أجرها في مصروف المنزل والأطفال، دون أن تحتفظ بحقها في تقاضيه وصرفه كما تشاء.

في دراسة أجرتها مؤسسة "المرأة الجديدة" عام 2014 لتقدير قيمة العمل المنزلي غير مدفوع الأجر للنساء في مصر، وجُد أن النساء يعملن في المنزل بدون أجر بمتوسط عدد ساعات أكثر من 35 ساعة إسبوعيًا مقابل أربع ساعات فقط للرجال، وتزداد الفجوة كلما زاد عدد أفراد الأسرة من الأطفال والمُسنين.

وتُمثل عدد ساعات العمل المنزلي للنساء ما يقرب من 25% من إجمالي الناتج المحلي للدولة، بمقدار يتراوح بين 300 و450 مليار جنيه سنويًا.

العمل بنظام الورديّة

وأسوء النساء حظًا هي تلك التي تعمل خارج المنزل وداخله، فتصبح بذلك تعمل بورديتين، إحداهما غير مدفوعة الأجر ومواعيد العمل بها غير معلومة.

ما تحتمه علينا الظروف الإقتصادية في الوقت الحالي هو العمل خارج المنزل من أجل تقاضي راتب يُحسن مستوى المعيشة للأسرة. فإن كان الزوج مضطرًا للعمل في وظيفتين، فهو مازال يتمتع ببعض مميزات العمل بالأجر.

فيمّ تظل الزوجة العاملة خارج المنزل مجبرة على العمل بوظيفتها المنزلية غير مدفوعة الأجر، لتصبح بذلك عاملة في ورديتين بدلًا من وردية واحدة.  

كيف تستفيد الأنظمة الإقتصادية من العمل المنزلي غير مدفوع الأجر للنساء؟

كما ذكرنا سلفًا، يستفيد الزوج العامل بأجر من زوجتها العاملة بغير أجر عن طريق التمتع بخدماتها دون الإضطرار إلى دفع مقابل مادي يساوي حجم «الوظيفة» الفعلي.

فبذلك يصبح الزوج عامل "مثالي" للعمل خارج المنزل. فهو غير مضطر لرعاية أطفال أو العمل داخل المنزل في أمور كالطبخ والتنظيف إلخ.. مما يساعده على التفرغ التام لعمله خارج المنزل.

وفي نفس الوقت لا يضطر إلى دفع مقابل مادي للخدمات المنزلية التي يتلقاها من زوجته، مما قد يتسبب في شعوره بضآلة أجره كعامل مقارنة بإحتياجاته الفعلية، فيُطالب بتحسين أجره.

ويترتب على ذلك أن يضمن عمل النساء داخل المنزل استدامة للنظام الإقتصادي الذي يعتمد بالأساس على هرمية واضحة على رأسها أصحاب رأس المال ثم العمال ثم النساء والأطفال.

فالعمال أيًا كانت وظيفتهم، تابعون لأصحاب رأس المال سواء كانت الدولة أو رجال الأعمال. أما النساء فتكون تبعيتهم للعمال كرجال.

وبالتالي يصبح عبء استمرار النظام الإقتصادي على النساء في المقام الأول؛ كمُنتجات للعمال وراعيات لهم اجتماعيًا،
 مما يضمن بقاء الهرمية ثابتة، دون مطالبة بتغيير الأدوار الرئيسية.

لتتسع بذلك دائرة الإستغلال، فالرأسماليون يستغلون العمال ويقتطعون من أجورهم، ويستغل هؤلاء العمال النساء داخل المنزل بعدم دفع مقابل مادي واضح لعملهن المنزلي، أو حتى مجرد الإعتراف به كـ «وظيفة».

علاوة على ذلك، لا تضطر الأنظمة الإقتصادية إلى مساواة أجر الرجال بالنساء، مُبررة الفجوة بين الأجور بأن الرجال يعولون الأسر، ولذلك فهُم "أولى" من النساء بالأجر، حتى إن عملت النساء نفس عدد الساعات وقُمن بنفس المهام.

فالفجوة هنا تنبع من الإعتماد على الأدوار الاجتماعية للجنسين وتُرسّخ تبعية النساء للرجال اقتصاديًا. كما أن الهدف منها هو توفير الفائض بين أجور الرجال والنساء لصالح رأس المال.

بالإضافة إلى تقديم النساء للعمل المنزلي بشكل مجاني يخدم العمال الذكور بشكل مباشر ويخدم بذلك النظام الاقتصادي بشكل غير مباشر.

ولعل أبرز الإنتقادات التي وجِّهت لكارل ماركس في نظرياته الناقدة للرأسمالية، هو إغفال إضطهاد الرأسمالية للنساء.

فالرأسمالية تدعم ثنائية الأدوار بين الزوج والزوجة والتي تجعل من الزوجة تابعة للزوج اقتصاديًا من ناحية، وأداة لضمان استمرار إنتاج أيدي عاملة غير متطلبة من ناحية أخرى.

متى يُمكن التخلي عن «الشبكة»؟ 

رجوعًا إلى نقاش الشبكة وما تقدمه الزوجة في مقابلها من عمل منزلي غير مدفوع الأجر بما في ذلك رعاية الأطفال، فهناك سؤال يطرح نفسه: 

ماذا لو تخلت الزوجة عن الشبكة؟ وهل يُخل التنازل عنها من قيام الزوجة بالعمل المنزلي غير مدفوع الأجر؟

الإجابة: لا.

فحتى إن تخلت الزوجة عن الشبكة للزوج، فليسَت بالضرورة تتخلى عن دورها الاجتماعي كزوجة؛ فتظل قائمة بأعمال المنزل بشكل رئيسي في الزواج ولا يُغير التنازل عن الشبكة من وضعها كعاملة منزلية بدون أجر.

فالغالبية العظمى من الرجال لا يتخلون عن الإمتيازات التي تمنحهم إياها منظومة الزواج، والتي من ضمنها العمل المنزلي كخدمة مجانية داخل المنظومة، تُقدمها النساء للرجال مقابل قوت يومهن.

أما عن الإمتيازات، فلا تقف حد العمل المنزلي، بل تتجاوزه إلى تقديم الخدمات الجنسية والقبول بالهيمنة السلطوية للزوج كراعٍ للأسرة.
 فأغلبية الرجال مقتنعون بنظام الزواج في جوهره كشرعنة لممارسة الجنس، والتي يملك فيها الرجل حق طلب ممارسة الجنس ولا تملك المرأة حق رفضه، كجزء من وظيفتها كزوجة.

قد ينتج عن ذلك عنف جنسي كالإغتصاب الزوجي، والذي لا تتحدث أغلبهن عنه لإقتناعها بأحقية الزوج في جسمها، طالما ربط بينهم عقد زواج.

ومن بينها أيضًا القبول بشروط الهيمنة كنظام الطلاق أو الخُلع أو الطلب في بيت الطاعة.
 فبعض هذه الأنظمة لا يقدم للزوجة سوى تأكيد على تبعيتها للزوج واضطرارها إلى تقديم تنازلات من أجل الحصول على الطلاق أو الخلع لإنهاء الزواج.

كالتنازل عن المؤخر وقائمة المفروشات -القايمة- أو الإمتناع عن الزواج للإحتفاظ بحضانة الأطفال.

ولكن، يمُكننا الإشارة إلى أن التنازل عن الشبكة، هو خطوة في طريق تنازل الزوجين عما تفرضه عليهما منظومة الزواج.

فالزوجة في تخليها عن بند الإعالة والإنفاق الكاملين، تتوقع من الزوج أيضًا التنازل عن الإمتيازات التي تمنحها له منظومة الزواج، كبداية لحياة مشتركة مبنية على التشاركية لا التبعية أو الاستغلال بالاستفادة من الخدمات غير مدفوعة الأجر.

ففي هذه الحالة: يتشارك الزوجان في الإنفاق والعمل المنزلي ورعاية الأطفال، ويحترم كل منهما حق الآخر في الإنفصال دون مساومة أو عقاب.

اللي ييجي بلاش، يروح بلاش

ولكن، هناك مخاطرة في هذه المعادلة مهما بدت إيجابية.

فلأننا جميعًا نتقاسم ذات المعيارية المجتمعية في وعينا الجمعي؛ فهناك إحتمالية كبيرة لإعتبار مَن تتخلى عن شبكتها أو المقدم والمؤخر "رخيصة".

والرُخص هنا هو أن توهِب المرأة نفسها للزواج دون مقابل، مما قد يوحي بأنها سهلة وغير مطلوبة في «سوق» الزواج، كما قد يُثير شكوك الزوج وأهله عن سبب إقبالها على الزواج كأن تكون غير عذراء مثلًا.

لذلك فمُرجّح أن تكون الشبكة والمقدم وخلافه ثمنًا للعذرية، كما هو الحال في زواج الأرامل والمطلقات.

فقد جرت العادة أن المطلقة والأرملة لا تتعاملن معاملة العذراء في ماديات الزواج، مما يدفعنا وبشدة إلى ترجيح أن هذه البنود قد تكون "ثمنًا" لعذرية الفتاة. فإن تخلت عنهم، فقد أثارت شكوك حول سلوكها وعذريتها إلخ ..

بالإضافة إلى ذلك، فالتنازل عن بنود الزواج قد يُؤثر على جودة الزواج على المدى البعيد.

فالزوج -وفقًا لدوره الاجتماعي- كرجل، مُعتاد أن يدفع مقابل كل خدمة يتلقاها، لذلك قد يعتبر الزوجة غير المدفوع "فيها" خدمة سهلة، مما قد يتسبب في سوء معاملته لها والتي قد تصل إلى العنف الجسدي كالضرب والإجبار على المعاشرة الجنسية، أو حتى الخيانة والزواج بأخرى.

تروى صديقة أنها رفضت بنود الزواج، إقتناعًا منها بالتشاركية والتعاون لإنتاج حياة مشتركة. ولكن، بعد أشهر قليلة من زواجها بدأ زوجها في تعنيفها جسديًا وصلت إلى ضربها وشد شعرها في الشارع حين أرادت الإنفصال، رغم كونه تقدميًا ومن تيار ثوري تحرري.

فهذه الواقعة وغيرها من نساء تنازلن عن بنود الزواج، قد تكون مؤشرًا على كيفية تقبُل الرجال لهذه التنازلات، وكيف ينتهي الحال بالزوجة تتنازل والزوج يتمتع بإمتيازات الزواج كاملة.

فيُصبح بذلك مُستفيدًا من إمتيازات المنظومة ومن تنازلات زوجته – معًا!

خدعوك فقالوا: «الشبكة» هدية العروسة! 

فالهدية لا تُسترد، بينما تُسترد الشبكة في حالة الإنفصال، لتخرج من حيز الهدايا بشكلٍ قاطع.

فالشبكة استثمار للعريس. فهي مال مجمّد في حال إحتاجه بعد الزواج لأي ظرف. وقد سمعنا في عائلاتنا عن بيع زوجات لشبكاتهن لتفريج كرب الزوج أو مساعدته إقتصاديًا سواء في عمله أو داخل المنزل.

كما تتعرض الكثيرات للوصم بقلة الأصل والنذالة إن رفضنّ بيع الشبكة لمساندة الزوج، حتى إن بعضهن قد طُلقن بالفعل لرفضهن بيع الشبكة، كما أجُبرت العديدات على بيع الشبكة بالإكراه تحت سلطة الزوج.

في الختام، عند مناقشة كل ما هو ذو صلة بالنوع الاجتماعي، فلا يجب أن تقتصر رؤيتنا على الظاهر دون الجوهر.

فالشبكة على فرضية أصوليتها، فهي ورقة غير رابحة إن تمت مقارنتها بالعمل المنزلي المجاني الذي تقدمه الزوجة بناءًا على دورها الاجتماعي.

ولحل هذه المعضلات، قد يُوصى بوجود قوانين أولًا تساوي في الأجور ما بين الرجال والنساء، وتضمن إجازات رعاية للرجال بنظام الكوتة للمساعدة في رعاية الأطفال، وقد يُساعد في هذا الدور الإعلانات التجارية والأعمال الدرامية أيضًا.

كما يُوصى بعدم إبتزاز النساء لتمسكهن ببنود الزواج حتى لو كنّ تقدميات وغير أصوليات.

فمن غير المنطقي طلب التنازل عن الشبكة من قِبل الزوجة، بينما المستفيد الأول من هذا التنازل هو الزوج والذي وفقًا للنظام الاجتماعي لا يُشارك في الأعمال المنزلية أو رعاية الأطفال، ويملك قانونًا حق إنهاء الزواج.

وحتى يتنازل البعض عن إمتيازاتهم في الزواج، فللنساء كامل الحق في تقاضي أجر مقدم -ولو ضئيل- عمّا تقدمنّه من عمل غير مدفوع الأجر داخل المنزل والذي إن قام بحسابه الزوج فسيجد أنه مديونًا للزوجة كعاملة منزلية مجانية.

المصادر:

  • تقدير قيمة العمل المنزلي غير مدفوع الأجر للنساء في مصر. صادر عن مؤسسة المرأة الجديدة (2014).
  • The Unhappy Marriage of Marxism and Feminism: Towards a More Progressive Union – Heidi Hartmann. (2010)
  • Classical Sociological Theory – Ritzer (n.d)
Journas

Never miss a story from us, get a weekly update to your inbox