حملة «سر قوتك»: بين تمكين النساء والتنكيل بهن (1)

24 sec read

" وقدر تُنذِرهذه النسبة البعيدة جدًا عن الواقع بعدم جدية الثلاث جهات في محاولة تمكين ودعم النساء في مصر من خلال حملة «سر قوتك».."
 "مقتبسة نصًا من حملة «تاء مربوطة» .." 

ثلاث جهات دولية منها هيئة الأمم المتحدة للمرأة في مصر والمجلس القومي للمرأة شاركت في إنتاج حملة تمكين النساء: #سر_قوتك والتي إنتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي والتليفزيون في رمضان 2016.

تعرض الحملة سلسلة من الفيديوهات لنساء يتم التمييز ضدهن بناءا على نوعهن الاجتماعي، وتعالج الحملة هذا التمييز عن طريق مواجهة النساء للتمييز بعبارات مثل: أنا زي الراجل بالظبط، وتنتهي بصوت في الخلفية: "متخليش ال ة تخنقك، أخرجي، بصي حواليكي، هتعرفي إنها سر قوتك".

زاوية المعالجة

للوهلة الأولى، توحي العبارة بنظرة مختلفة للنساء اللاتي يُعانين من التمييز على أساس النوع الاجتماعي، ولكنها سطحية بعض الشئ.

فالعبارة لم تتعامل مع التمييز القائم على النوع الاجتماعي بإعتباره عامل خارجي وسبب مباشر لسوء أوضاع النساء في مصر ولذلك يجب مواجهته، بل بإعتباره مجرد مؤثر ويجب على الفتاة نفسها مواجهته؛ كأن تكون قوية ومسئولة وطموحة إلخ ..
 والفرق بين العامل والمؤثر هو درجة الفاعلية لكلٍ منهما. فالعامل مُشارك في النتيجة بشكل حتمي، أما المؤثر فهو يُساعد على النتيجة فقط.
 ولذلك فالعبارة أشبه بعبارات التنمية البشرية والتي تعتمد على أن الإنسان مسئول عن تغيير عالمه المحيط بمجرد تغيير أفكاره عن هذا العالم. دون النظر إلى العوامل التي تجعل من هذا العالم سبب لإحباط الشخص.

فالعبارة أغفلت أن التمييز لم يكن مسئولية النساء وحدهن وعليهن -وحدهن  أيضًا- مواجهته بتغيير مفهومهن عن أنفسهن، بدلًا من مواجهة التمييز بشكل موضوعي كسبب لرؤية النساء لأنفسهن.
 فإن كانت الفتاة تنظر لنفسها أنها غير قادرة، فيُمكننا إرجاع السبب إلى ما نشأت عليه من مفاهيم مغلوطة عن الأدوار الاجتماعية لكل من الرجال والنساء وغيرهم، حتى أصبحت هذه المفاهيم جزء من إدراك الفتاة لنفسها وللنساء عامة.  

ولذلك تحمّل عبارة «سر قوتك» النساء الجزء الأكبر من مسئولية التمييز والعنف الواقع عليهن في المجتمع المصري، وبشكل ضمني تخفيف المسئولية عن كل ماهو ذو صلة مباشرة بهم، كالأشخاص الذين يمارسون التمييز ضد النساء في الأصل.

التنميط

ومن خلال هذه الزاوية المتحيزة للمعالجة داخل إعلانات الحملة، فقد ساهمت الحملة بشكل لاواعي في تنميط الفتيات والنساء اللاتي يواجهن التمييز القائم على النوع الاجتماعي.

فكلمات كـ: قوية – مسئولة – جريئة. تحمل إشكاليات دائمة عن ماذا لو لم تكن الفتاة: قوية – مسئولة – جريئة ؟
 فالإشكالية في هذه الصفات وغيرها من التي تفرض قالب معين للنساء اللائي يرفضن التمييز على أساس النوع الاجتماعي، فتجعل من غيرهن فريسة لهذا التمييز لأنها غير قوية، غير مسئولة وغير جريئة، وبالتالي فهي تستحق ما قد تتعرض له من تمييز وعنف.

فقد أغفلت الحملة أن القوة والمسئولية والجرأة وغيرها من السمات الشخصية جدًا للأشخاص، كما أنها نسبية للغاية والتي إن غابت لا تجعل منهم أكثر عرضة للعنف أو التمييز إلخ..
 وفيم تقدم الحملة مفاهيم فضفاضة عن القوة، والتي لا نعرف ما المقصود منها تحديدًا أهي القوة العضلية والبدنية أم الهيمنة والسيطرة؟ أغفلت أيضًا كيف يستقبل المجتمع هذه الصفات في الفتيات بردود أفعال كالوصم وأحيانًا كثيرة بالعنف النفسي والجسدي.
 فمفهوم الجرأة مختلف من بيئة مجتمعية لأخرى، فإن كانت مقبولة في مجتمعات، فمجتمعات أخرى قد تعتبرها "قلة أدب"، وتبدأ في معاقبة الفتاة بالنبذ والوصم والعنف أو الحبس.

ولنا الحق أن نتسائل: ما الذي ستفعله عبارة: «سر قوتك»، في هذه الحالة؟

لذلك فزاوية المعالجة مرة أخرى، تغفل دور المجتمع كعامل رئيسي و راعٍ للتمييز القائم على أساس النوع الاجتماعي، في محاولة لتجنب ردود الفعل المحافظة من هذا المجتمع على الحملة.
 لتصبح الحملة بهذا متحيزة ضد النساء بدلًا من تمكينهن.

«سر قوتك»

إتبعت الحملة مفردات تسويقية كتلك التي تُستخدم لعناوين كتب الأرصفة: سر النجاح وسر العلاقات العاطفية الناجحة، والتي تعتلي أكبر نسب مبيعات لإعتمادها على عبارات سهلة التأليف ولا تمُس الواقع الذي نعيشه.
 فمؤلفي هذه الكتب لا يستهدفون القارئ قدر ما يستهدفون الربح. إذًا فما الذي اضطر ثلاث جهات كهيئة الأمم المتحدة للمرأة وصندوق الأمم المتحدة للسكان، والمجلس القومي للمرأة إلى إتباع نفس النهج في حال أنهم لا يستهدفون الربح؟

في رأيي -كباحثة في مجال النوع الاجتماعي- أن الثلاث جهات لم يكونوا على قدر كافٍ من المعلومات التي تمكنهم من إختيار الحملة المناسبة لمخاطبة قضية كالعنف القائم على النوع الاجتماعي، فالنتيجة هي حملة بملايين الجنيهات ونتيجة غريبة لا يمكن حتى دراستها لمعرفة تأثيرها.

فعلى الرغم من أن الحملة لاقت رواجًا على مواقع التواصل الاجتماعي، فلم تختلف عن أي مبادرة مبتدئة لدعم وتمكين النساء، ولا تحمل أي مدلول أن القائمين على الحملة على وعي بتأثير ديناميكية النوع الاجتماعي على النساء كجهات دولية وقومية إلا أن الحملة قد كلفتهم مبالغ لا تقدر على توفيرها المبادرات حديثة التأسيس.

من غير (ة) .. البلد مش مظبوطة

وعلى ذِكر المبادرات التي تسعى إلى دعم وتمكين الفتيات على مستويات عدة من بينها الإنترنت، فقد إشتهرت عبارة: "من غير تاء مربوطة البلد مش مظبوطة"، في النصف الثاني من العام 2012 تحت رعاية الإتحاد النوعي لنساء مصر. 

وقد كانت هذه المبادرة من أوائل المبادرات التي سعت لتغيير درجة القبول المجتمعي للفتيات في المجتمع المصري بعد الثورة، عن طريق ملصقات وعبارات تدعوا إلى إضافة التاء المربوطة إلى المهن والصفات لتضفي إليها قبولًا مجتمعيًا في حالة التأنيث، وإنهاء حالة الإستخفاف بقدرات الفتيات وطموحاتهن.

وعليه؛ فلم تقدم حملة «سر قوتك» 2016 جديدًا عن مبادرة «تاء مربوطة» " 2012، وحتى لم يتم الإشارة إلى الفكرة الأصلية في الحملة كمصدر إلهام أو دعم أو جهة تعاون مع الجهات الأربع الراعية للحملة.

فحملة «سر قوتك» لم تكتفِ فقط بالفكرة الرئيسية للحملة بل قامت بنشر منشورات على صفحاتها على فايسبوك لتفاعل الأعضاء مطالبة بإضافة تاء مربوطة ، وهي نفس الفكرة التي نفذتها حملة «تاء مربوطة»  في بداية تأسيسها على هيئة ملصقات ومطبوعات ومنشورات على فايسبوك.

فالفرق بين الحملتين رغم إقتباس الأخيرة للفكرة نصًا، هو أن حملة «تاء مربوطة»  نفذها طوعيًا مجموعة من الشباب والشابات؛ مايجعل منها مساحة حرة للتجربة، بينما نفذ حملة «سر قوتك» مجموعة من الجهات المختصة بقضايا العنف ضد النساء والتمييز على أساس النوع الاجتماعي.

فما الذي حال بين هذه الجهات وبين تعيين مختصين لمعالجة الحملة من منظور أكثر حساسية للنوع الاجتماعي، خاصة مع توفّر التمويل؟

بين التمكين والتنكيل

ولعل ما وجب علينا طرحه للقراء هو أن الثلاث جهات سالفة الذكر قد أطلقت في مطلع شهر يونيو من العام الجاري 2016 تقرير حول التكلفة الإقتصادية للعنف القائم على النوع الاجتماعي في مصر.

ورغم أن الدراسة صادرة عن تعاون بين ثلاث جهات من أكبر الجهات العاملة على قضايا النساء بما فيها قضية العنف الجنسي، فقد تمت الإشارة إلى أن نسبة العنف الجنسي ضد النساء في مصر هي 12% فقط، أي أن واحدة من بين كل 12 امرأة تتعرض للعنف الجنسي في مصر[1]. 

في الواقع كنت أتمنى بصفة شخصية أن تكون هذه النسبة حقيقية وأن أتعرض للعنف الجنسي مقابل أن تفلِت منه أحدى عشر فتاة غيري.

فمن غير المنطقي أن دراسة "غيوم في سماء مصر" والصادرة عن المجلس القومي للمرأة عام 2008 أن 72% من المتعرضات للعنف الجنسي في مصر محجبات وهي نسبة تُشير إلى انتشار العنف الجنسي في مصر بين النساء والتي تمثل المحجبات أغلبيتهن، أن تنخفض فجأة إلى 12% خلال سنوات قليلة.[2]

أما في دراسة أجرتها هيئة الأمم المتحدة للمرأة في مصر عام 2013، فإن 99% من المبحوثات قد تعرضن للعنف الجنسي لفظيًا أو جسديًا، وهي دراسة حديثة بالنسبة لدراسة غيوم في سماء مصر، ومع ذلك كانت نسبة النساء المتعرضات للعنف الجنسي في مصر في تزايد يقرب إلى 100%. [3] 

أما في التظاهرات المُعارضة لحكم محمد مرسي في يوليو 2013، بلغ عدد حالات الإعتداء الجنسي الجماعي في محيط ميدان التحرير 91 حالة، وفقًا لصفحتي قوة ضد التحرش الجنسي "أوبانتيش" وتحرير بودي جارد على فايسبوك آنذاك، من بينهم أم وابنتها وحفيدتها، وصلت إلى الإغتصاب بآلات حادة في الميادين وفقًا لشهادات واردة في تقرير عن العنف والإعتداء الجنسي ضد النساء في المجال العام من 2011 إلى 2013، شارك في إعداده: نظرة للدراسات النسوية، مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب، ومؤسسة المرأة الجديدة.[4]

فهناك فجوة بين الدراسة الطازجة للقومي للمرأة بالتعاون مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة وصندوق الأمم المتحدة للسكان، وبين الواقع الفعلي للعنف الجنسي الذي تتعرض له النساء في مصر، خاصة بعد الإشارة إلى دراسات سابقة من نفس الجهات.

وقدر تُنذِرهذه النسبة البعيدة جدًا عن الواقع بعدم جدية الثلاث جهات في محاولة تمكين ودعم النساء في مصر من خلال حملة «سر قوتك»؛ لأن أول طريق لمواجهة العنف القائم على أساس النوع الاجتماعي، هو الإعتراف بوجوده في الأصل، وعدم تزييف الحقائق لصالح جهات قد يكون النظام المصري والمعروف بمعاداة المجتمع المدني من ضمنها عن طريق ممثله: المجلس القومي للمرأة.

أما بعد، يجب علينا كمهتمات\ين بقضايا النوع الاجتماعي أن ننظر بعين النقد لما يتم تقديمه لدعم النساء، بخاصة إن صدر من جهات معنية بهذه القضايا على المستويين المحلي والدولي ومصالحها متشابكة ولا تعلن عن سياساتها بوضوح.

كما يُوصى بمراعاة تأثير حملات دعم وتمكين النساء على النساء أنفسهن كفئة مستهدفة، حتى وإن إختلفنا في الطرح أو زاوية المعالجة، مع بقاء رؤيتنا النقدية لضمان وجود مساحات فكرية معنية بقضايا النساء وطرحها للنقاش.


المصادر:  

[1] The Egypt Economic cost of Gender-Based violence survey (ECGBVS) 2015

[2] Young women and social media against sexual harassment in North Africa

[3]Women’s Rights Movements during Political Transitions: Activism against Public Sexual Violence in Egypt

[4] Sexual Assault and Rape in Tahrir Square and its Vicinity: A Compendium of Sources 2011 – 2013

Journas

Never miss a story from us, get a weekly update to your inbox