حتى لا ننسى «الدوندوو»!

18 sec read

«الدوندوو» .. هكذا إنفجرت مواقع التواصل الاجتماعي بسبب كلمة في إعلان "جهينة" وهي شركة صناعات غذائية.
 في إعلانها: مجموعة من الأطفال أحدهم حزين، ويكتشف آخر أن حزنه لأنه يرغب في الرضاعة، مُشيرًا إلى صدر أمه بـ "الدوندوو". بعد ثوانٍ معدودة يبدأ الطفل الحزين في البكاء: "أصلي مش عارف أنسى الدوندوو"، فيرد الآخر: "ولا عمرك هتنسى الدوندوو".

فالجدل المُثار حول الإعلان ينقسم إلى قسمين: قسم مؤيد، وقسم مُعارض.
 فبينما يقبل المؤيدون الإعلان لأنه خفيف ولا يحمل أي معنى مهين للنساء، رفضه المعُارضون لأنه مهين ويُشجّع على التحرش الجنسي.
 في هذا المقال، أعرض وجهة نظر مُعارضة للإعلان من منظور النوع الاجتماعي.

النمطية

فقبل أن يقدم الإعلان تشييء جنسي للنساء، فهو يقدم صورة نمطية عن الرجال كنوع اجتماعي.
 فالطفل صاحب الجملة الشهيرة: "ولا عمرك هتنسى الدوندوو"، يلعب دور نمطي للرجال مرددًا عبارات مثل: "أومال أنت هتبقى راجل إزاي ياض…" هذه العبارات وغيرها مما نسمع يوميًا في الإعلانات، تُشجع على قولبة الرجال؛ متماسكون، متحكمون، لا يبكون، غير عاطفيين.
 فهذا الطفل يلوم الآخر على كونه عاطفي ويشعر بحنين لصدر أمه كمصدر للغذاء، وكأن الرجال من كوكب آخر، يجب ألا يتعلقوا بشئ أو شخص – فقط لكونهم رجال. 


  وهذا ما اتضح جليًا في نفس الإعلان ولكن عن عصير الكركدية. 

 فنفس الطفل، يلعب دور المسيطر على الآخرين: يطلب منهم عدم الصراخ، والهدوء وهو مازال في دور المتماسك الذي لا يحُركه ساكنًا. في حين سخريته من الطفل الذي يعبر عن فرحته بالزي ذو الأجنحة؛ "أنا بعرف أطيييير" – فيرد عليه بسخرية وواقعية: "بس يا أهبل".
  وتوبيخه للآخر الذي يعبر عن ضيقه ويصرخ ويفزع لأنه لم يتعرّف على قدمه في ثياب الأطفال التي يرتديها.


 وبين النَهر والسخرية لم تتغير ملامح الطفل، فهو لم يتفاعل حتى مع ما يقوله، في تعبير عن الجدية والرشد- رغم كونه طفل.
 وبينما يرتدي ذات الطفل لونًا مختلف عن الألوان والأزياء المختارة للآخرين، فما يتناسب مع الشخصية الواقعية هو إختيار ملابس قرد، فيمّ كانت الأزياء الأخرى لحيوانات مُجنحة كالتنين والطاووس ذوي الألوان الزاهية.


 هذه الشخصية للطفل المتماسك والذي لا يغضب أو لا يشعر بمشاعر إنسانية كالحنين أو التورط العاطفي، ويُمارس دور المتحكم والقاهر لمشاعر المحيطين به بدعوى العقلانية والتماسك، هو نموذج مُصغّر لما يتم برمجة أغلب الرجال عليه في مجتمعاتنا منذ الطفولة وبسببها يزداد شعورهم بالهيمنة ويقل لديهم معدل التعبير عن الخاطر أو ما يجول به، مُتجردين من أبسط حقوقهم في المشاعر الإنسانية والتعبير عنها.

 مثل هذه النماذج لا يجب أن يتم التشجيع على تقديمها -رغم كونها مُستعارة من الواقع- لأنها تُكرّس لنمطية الأدوار الاجتماعية والتي تُميّز ضد كل مَن هو ليس تحت مظلتها.

 وبخاصة أن ما يقدمها أطفال، فبديلًا عن هذه القولبة والتي لا تنتج سوى أشخاص مشوهين اجتماعيًا، يجب تشجيع الأطفال على التعبير عن مشاعرهم وعن أنفسهم بسلاسة ودون خوف من توبيخ أو نبذ.
 وإن ظهرت أعراض سيطرة أو هيمنة يجب على المحيطين بالطفل الإنتباه لأن مثل هذه السلوكيات لا ينتج عنها أطفال أصحاء نفسيًا.

 التشييء الجنسي – Sexual Objectification

التشييء الجنسي: هو الإشارة والترميز وإختزال النساء لأدوات إثارة الجنسية.
 كان الإعلان ليمر مرور الكِرام لولا آخر جملة للطفل: "ولا عمرك هتنسى الدوندوو"، مُشيرًا ليس فقط إلى صدر الأم ولكن أيضًا إلى أثداء النساء بوجه عام، وهذا ما يُستنتج من لهجة نطقها.
 فعلى الرغم من أن الإشارة هنا لأثداء النساء لا تحمل معنى جنسي صريح، فإنها تستخدم أجزاء من أجسامهن للتدليل على تأثيرهن الجنسي.
 وعلى الرغم أيضًا من أن أغلب الجمهور المستهدف هو النساء وذلك وفقًا لدورهن الاجتماعي الذي يحملهن مسئولية الاهتمام بالأطفال، فلم يجد المُعلنين أي غضاضة في مغازلة الرجال، كجمهور مُستهدف ثانوي.
 فالأزمة هنا حتى إن كان السياق هو الرضاعة، والتي هي فعل بيولوجي طبيعي، فلم يتم تمرير الفرصة دون إختصار النساء في أدوات جنسية، لمُداعبة الرجال والذي يعتبر أغلبهم أن الثدي هو معيار جمال النساء، ولذلك هو دائمًا حاضر في أذهانهم.
 في بحث أجراه مجموعة من الباحثين الأميركيين عام 2003، أكثر من 80% من الصور المُقدمة في مجلات تستهدف الرجال كجمهور، كانت لنساء مختزلات في أدوات جنسية للإثارة الجنسية، كنوع من التقرب للجمهور.

 أما وفقًا لرابطة علم النفس الأمريكية في تقرير أنتجته عام 2007، فإن التعرّض لمواد إعلانية شبيهة، يتسبب في تحديد معايير الإنجذاب الجنسي للنساء، 
والذي بدوره قد يتسبب في آثار سلبية على النساء أنفسهن: كالقلق المزمن، وعدم الرضا، والشعور بالخزي، لأنهن يفقدن جزءًا من الثقة في النفس في حال لم يتقابلن وهذه المعايير المحددة والتمييزية لأجسام النساء.

التشييء الجنسي والتحرش اللفظي

التشييء الجنسي لا يرتبط بالضرورة بالتحرش اللفظي، ولكنه أحد مسبباته الرئيسية.
 في مطلع الألفينات إنتشرت جملة لتامر حسني مع ميل جسدي على الفتاة الموّجه لها الجملة وصوت بوسة في آنٍ واحد: "هوّ دة".
 إن الفرق بين ما قدمه تامر حسني من حركة تحرش صريحة للمتحرشين لا يقل أهمية عمّا قدمته شركة جُهينة، وإن كان الأخير أقل فجاجة.


 أنا أتفق مع الرأي بأن المتحرشين لم يكونوا يومًا في حاجة لمصطلح جديد على قاموسهم: مكنة، وِتّكة، فرسة، وغيرها..
 وإنما الإشكالية في إعلان جهينة ليس أن المُتحرشين استخدموه، بل في كونه سياق ساخر للتحرش.


 فعلى الأقل إن كانت حركة تامر تبدو ساخرة فهي غير مقبولة وسط قطاعات كبيرة من المارة، بينما الدوندوو تضيف إلى التحرش الجنسي سخرية مقبولة، تجعل من فعل التحرش المُصاحب لها مقبولًا هو الآخر.

 في الأخير، استخدام النساء كمواد دعائية ليس بجديد، وإنما في 2016 يجب أن يعي أغلبنا بأن المواد الإعلانية التي تُشييء النساء، 
لا تحُض من قدر النساء فقط، بل من المجتمع ككل، ينقسم فيه الأشخاص إلى سلع ومُستهلكين. 
كما أن إدماج منظور النوع الاجتماعي مهم وحيوي وليس ترفيهي أو ترفي؛ إن كنا بصدد التعامل بإنسانية ومنطق.

تحديث:

بعد أقل من اسبوع على إنطلاق الإعلان، منع جهاز حماية المستهلك بثه على شاشات التليفزيون لاحتوائه على تلميحات خارجة ذات مدلول إباحي.
 ورغم أننا ضد الرسالة المتضمنة للإعلان، إلا أننا قد نكون ضد وقفه أيضًا.

جهاز حماية المستهلك وبعض الأجهزة الرقابية الأخرى داخل الدولة يجعل من الدولة نفسها وصي وأب أكبر للمواطنين.

 هذه الأجهزة قد تبدو مفيدة لأنها تقوم بدور "حماية" للمستهلك، غير أن ضررها بالمقارنة بنفعها يضعها في مأزق حقيقي.


ما نحن بصدده الآن هو رقابة على كل ما لا تستهويه الدولة، أو المجتمع بإعتباره مجتمع محافظ، ويخلق منظومة مطاطة تسمى الأخلاق. 


لا أحد يعرف ماهية الأخلاق ولماذا تحميها الدولة وإن كانت تستفيد منها للوصول لوعي جمعي معين، يرفض كل ما هو مختلف ولا تتسع مساحاته لتشمل المؤيد والمعارض.


 ففي هذه الصراعات غالبًا ما تكسب أجهزة الدولة بحكم السلطة الممنوحة لها، وبحكم الشرعية التي تستمدها من المجتمع بإعتبارها القائمة بالحماية والمنع إلخ؛ والذي يجعل الدولة هي المصدر الوحيد و"الفلتر" الوحيد لكل إنتاج فكري، مما يُقلص من مساحات الأفراد أنفسهم.

يعتبر الموقف الأسلم هو المساحة الحرة، التي تسمح بوجود الفكرة ونقضيها، بالعرض والنقد، بالتقديم وشجاعة الإستعارة من واقع يعكس أوضاع معينة كأوضاع النساء أو الأقليات، كمثال.

يمكن لفريق المعارضين أن يكونوا ضد الإعلان وضد المنع أيضًا.

فالإعلان في مجمله يحمل معانٍ أبوية صريحة كتنميط الرجال والتشييء الجنسي للنساء، لكنه لا يرقى لأبوية الدولة حين تمارس سلطة المنع على منتج لأنها رأته خارجًا أو إباحيًا.


 فالرأي دائمًا للمشاهد وللقارئ، فإما اقتنع بالفكرة وإما رفضها، دون أن تتدخل أجهزة الدولة في فرض وصاية أخلاقية مزدوجة، تحدد ما هو مسموح بإنتاجه ونشره، وما هو مسموح -لنا كمواطنين- بمشاهدته دون وجود حرية لتقييمه بأنفسنا.

*المصادر:
Report of the APA Task Force on the Sexualization of Girls

Journas

Never miss a story from us, get a weekly update to your inbox