تحليل مشهد من فيلم L’argent «المال» للأستاذ الفرنسي روبير بيرسون

7 sec read

لو دققت السمع في أول ثانيتين من المشهد قد يبدو لك أن ما تسمعه ليس وقع أقدام بل صوت آتي من حركة كسولة لمجرى مائي، وفي الغالب ستظن أيضاً لحين دخول المصباح الكادر أن ذلك باب موارب وليس مغلق.

في هذه الثواني ال15« يجسد الأستاذ الفرنسي روبير بيرسون مفهومه لفن السينما أو السينماتوغراف» كما يحب أن يسميه «السينماتوغراف: كتابة بالصور في حركتها وب(الأصوات)».

لا توجد عند بيرسون إجابات لمن يظن أن للباب ودهانه الذي يشبه ألوان اللوحات الزيتية رمزية معينة في المشهد، بالنسبة للرجل مثل هذه الأسئلة هراء محض أو كما يقول «لا أفكر كثيراً في ما أفعله عندما أعمل، ولكنني أحاول أن أحس شيئاً، أن أرى من دون أن أفسر، أن ألتقطه بقدر المستطاع، هذا كل شيء. التفكير عدو رهيب. عليك أن تحاول العمل ليس من خلال إدراكك، وإنما بحواسك وقلبك: بحدسك».

يرفع الرجل المصباح بالضبط أمام البقعة التي سيعالجها ببلطته من أجل كسر الباب، البلطة تحتاج كلتا اليدين وهذا معناه أن العبرة بمكان المصباح بعد تركه، كأنه يريد أن يُثبت -هو أيضاً- في حواسه مكان البقعة التي سوف تنزل عليها البلطة. قد يكون السبب أنه غير معتاد الإجرام وهذه أول مرة يقتحم فيها مكاناً بهذه الطريقة، أو أن اضطراره لرفع المصباح ثانية قد يثنيه عن الجريمة نفسها، وهذا قد يعني أن ما يحركه إنتقام ما. كلا التبريرين يتسق تماماً مع رحلة الشخصية داخل الفيلم. يعزز ذلك إنفتاح الباب معه بسهولة، فلو كان محترفاً ما احتاج لكل هذه البلطة لفتح باب هش.

الكاميرا تنتظره داخل المكان في الظلام مع نباح الكلب، هذا الإستخدام للصوت أثر فيّ بشدة، ذكرني بزلزال عام 1992 حين تداولت فكرة مفادها أن الحيوانات تشعر بالخطر قبل البشر، وأن نباح الكلاب بشدة قبل وقوع الزلزال دليل على ذلك، وإلى الآن حين أسمع هيجان للحيوانات أتوتر وأتهيأ نفسياً للمجهول الوشيك، وهذا ما فعله المخرج بي في تلك الثواني.

ملحوظة تقنية إضاءة المشهد بمصباح هي عملية صعبة جداً في زمن الخام، من الصعب جداً أن يقرأ فيلم الخام نور اللهب، وبالتالي حركة الإضاءة مع حركة الممثل أو -الموديل كما يطلق عليه بيرسون- تكون من خارج الكادر، الآن حساسية الكاميرات الديچتال للضوء أفضل.

مع وقع الأقدام من جديد داخل المكان يتوقف نباح الكلب، هذا جعلني أشعر أنه محبوس في مكان عاجز عن التصرف، تخلص من المصباح مع وجود ضوء يمكن الإعتماد عليه داخل المكان، خرج الكلب من محبسه في غرفة بها امرأة ورجل يمارسان الحب، مرت دقيقة و15 ثانية دون أن أرى وجه غير وجه الكلب ورغم ذلك من حركة الأيادي والأرجل ودون أي جملة حوارية واحدة وبكادرات ثابتة مع حركة Pan right وحيدة حُملتُ بكل هذه المشاعر ووصلتني كل هذه المعلومات. كم مخرج يقدر أن يفعل كل هذا بهذه البساطة وهذا التقشف؟

لقطات سريعة كتلاحق أنفاس الكلب تُعلِم من يتفرج بطبيعة الجريمة، الكلب في البداية يتجه نحو جثة لرجل، يتذكر المرأة والرجل الذي كان في غرفتهما يعود إليهما يجدهما قد قتلا، يفكر الكلب في الصعود لأعلى من جديد، يلاحظ أن من يقتل يتجه لأسفل، يقرر أن يسير خلفه فهو الدليل لأحياء جدد قد يفلح ف تحذيرهم ليهربوا، يتبعه، يتركه عند سرير ما ويذهب ليطمئن على طفل قعيد، يشمه فيجده بخير، يخرج بسرعة، ليظهر لنا وجه السيدة فوق السرير -وجه لأول مرة- يصل إليها صوت المقتحم بسؤال «أين المال؟» لا نعرف إجابة السيدة، لكننا نعرف رد ذو البلطة ولأول مرة في حركته أشعر أنه يشعر بذنب ما لقتل هذا المرأة بالتحديد، وهذا يتوافق مع عطفها عليه في مشاهد سابقة.

الصوت الوحيد الخارج من الكائنات الحية داخل المكان: صوت الذعر الخارج من الكلب وصوت بكاء الطفل القعيد، لا يعطينا بيرسون معلومة واضحة هل قتله المقتحم أم تركه؟ كل من قتلوا لم نسمع منهم صوتاً أو تأوهاً أو توسلاً، هل هذه نزعة بيرسون في كل أفلامه إلى أننا نساق في أجزاء من حياتنا إلى أقدار لا نستطيع التصرف حيالها ويستحسن الإستسلام لها؟ أم أن الضحايا أرادوا أن يجردوا قاتلهم من حلاوة الإنتقام عندما يتذكر مشاهد فعلته فتركوا له صوت الأثم “الخطيئة” أعلى من صوت مبرراته؟ وكل من يعرف بيرسون يعرف كاثوليكيته وأثرها على فنه.

في كل هذه المجزرة لم نرى فعلياً مشهد لعملية قتل، بيرسون هنا نفرني من العنف جداً دون أن يستثر غريزته كما تفعل أفلام أخرى، فقط بعض الرتوش لدماء على بقعة نور أباچورة، تنطفئ لمبتها ونسمع من جديد صوت لمجرى مائي تنقلنا إليه الصورة ليرمي فيه الفاعل بلطته، الذي يظهر لأول مرة بطاقة محيرة تشتت أي حكم عليه في أكثر من إتجاه وتأمل.

CUT

http://youtu.be/MseCLC_YBqw

ملاحظات:

1- وُجِدَ المونتاچ حتى لا نشعر به. هذا المشهد حقق الغرض تماماً.

2- ما ينطبق على فن المونتاچ ينطبق على التناسق اللوني ونسب الإضاءة الساقطة على الأشياء المصورة داخل أحجام الكادرات المختارة، لا تنفر عينيك دون أن تدرك السبب المباشر لهذا، بريسون رسام بالأساس، يرسم لوحاته البصرية دون إبراز أي عضلات ودون أي إبهار زاعق يغطي على الشعور «الطاقة» المراد بثه(ا) من اللقطات، وهذا يخدم أسلوبه المتقشف كما كتبت فوق، لكن إذا أردت أن تعرف مدى جمال كل لقطة «بصرياً» فقط ثبتها وتأملها لفترة وستدهش من الدقة والعناية الفائقة بكل تفصيلة.

3- إيقاع هذا المشهد وبالطبع كل الفيلم رشيق كالعود الأنثوي المسمى «فرنساوي»، هذا الإيقاع حققه بريسون وعمره 82 عاماً. المال هو آخر أعماله، توفي بعده ب16 عاماً عن عمر 98 عاماً.

– أسم الفيلم: L’argent «المال»

– إنتاج: 1983

– السيناريو: روبير بريسون مبني على قصة قصيرة ل«ليو تولستوي»

– تمثيل: كريستيان باتي، كارولين لانج، ڤينسنت ريستروتشي، برونو لابيري، وآخرين

– مكساچ: چاك مومنت

– مونتاچ: چان فرانسوا نودون

– سينماتوغرافي: باسكولينو دو سانتيس، إيمانويل ماكول

– إخراج: روبير بريسون

– الجوائز: أحسن مخرج من مهرجان كان السينمائي الدولي مشاركة مع الأستاذ الروسي أندريه تاركوڤسكي عن فيلمه نوستالچيا.

مصدر صورة غلاف الموضوع: WordPress / magnoliaforever 

http://youtu.be/1UtrcJYw38

Journas

Never miss a story from us, get a weekly update to your inbox