بعد تأييد حكم مصرية تيران وصنافير .. هل يعتذر الثوار؟

11 sec read

في أبريل 2016 أعلنت الحكومة المصرية برئاسة الرئيس عبد الفتاح السيسي إتفاقية لإعادة ترسيم الحدود بين دولتي مصر والسعودية. 

تتضمن الإتفاقية التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير والواقعتين على خليج العقبة بالبحر الأحمر للسعودية.

في حالة من الغضب الذي شهده جيل ثورة يناير، تم غزو مواقع التواصل الاجتماعي بدعوات لإستعادة الجزيرتين مرة أخرى للحدود المصرية، مدونين على هاشتاج: #الأرض_هي_العرض.

في لحظة ثورية كسابقيها، لم يتم الإلتفات إلى المعنى الذي يحمله الهاشتاج، والجدل حول علاقته بأجسام النساء بالنظامين السياسي والاجتماعي. 

العرض

العرض هو كل ما ارتبط بالجسم أو بالنفس وأضاف إليهم مكانة شرفية: بالجسم كالبكارة أو ممارسة الجنس الغيري \ بالنفس كالأصل أو النسب إلخ.
 ويشُار لكل شئ مرتبط بالشرف سواء الجسدي كالبكارة أو المرتبط بالصفات كالنسب بـ "العرض" كتدليل على مكانته الرفيعة في السياق الاجتماعي؛ وعليه فإن كل شخص لم يرتبط بتلك المفاهيم الشرفية أو دافع عنها يتم وصمه بالتخاذل والتساهل والتفريط إلخ.

حامي العرض والمكانة الشرفية
والعرض لابد من وجود شخص أو مجموعة أشخاص يدافعون عنه ويقومون بدور حمايته من الإنتهاك.
وللحماية شروط، أهمها إحكام السيطرة والهيمنة الكاملة على الشخص الذي يمثل الشرف أو الإنتماء الكامل للشئ المُشار إليه بالشرف.
ولذلك يتم وصم الفتيات اللاتي تفقدن عذريتهن دون إطار الزواج\ كما يتم وصم الشخص المسئول عنهن أسريًا والمعروف بحامي العرض لأنه لم يحمِ عرضهن -وعرضه بالتبعية- وبالتالي هو شخص غير مسئول.

في أغلب الحالات يتم الإشارة للعرض بمفهوم الجسد والاختيارات أو الميول الجنسية.
 لذا؛ يتم وصم الأشخاص ذوي الهويات الجنسية الغير مغايرة لتصرفهم في أجسامهم بغير النمط الشائع كمثليي ومثليات الجنس ومتحولي ومتحولات الجنس أو النوع الاجتماعي.

جرائم الشرف

ولعل أبرز مايتم تداوله عن الشرف هي جرائم القتل العمد المرتبطة بالمفاهيم السابق ذكرها.
 فجريمة الشرف -مجازًا- هي جريمة قتل عمد يرتكبها الشخص المفوض اجتماعيًا بحماية الشرف، كالأب\ الزوج\ الأخ أو أحد ذكور العائلة، وقلما نساؤها.

وجرائم القتل باسم الشرف في الغالب تُرتكب ضد النساء والفتيات ليس فقط في حال فض عذريتهن، بل تتجاوز أحيانًا إلى شائعات وجود علاقة عاطفية بين الفتاة وشاب غريب.
وبعضها يُرتكب ضد المثليين جنسيًا بدافع الحفاظ على شرف العائلة.

كيف يستخدم لفظ العرض في السياق السياسي؟

يستخدم لفظ العرض في السياق السياسي للتدليل على أهمية شئ ما كالحدود الجغرافية للدول \ أو الهوية أو الإستقلال أو التقاليد .. إلخ.
 ويستخدم توصيف العرض لتقوية نزعة الإنتماء لهذا الشئ عند الأشخاص.
 فايستخدم العرض كتشبيه على ضرورة التمسك بهذا الشئ وإلا تم وصم الشخص بألفاظ كـ "التفريط" \ "الهتك" \ التنازل عن العرض \ إلخ.. وبالتالي الوصم بالعجز عن حماية الشرف.
 ويغلب ربط الشرف والعرض بأجسام النساء.
 ففي فن الرسم الساخر -الكاريكاتير- غالبًا مايتم رسم الدولة بأجسام ذات صفات جسدية أنثوية للتدليل على ضرورة حمايتها، أو للتدليل على الفساد بتعرض نفس الأجسام إلي الإنتهاك كالعنف الجنسي بأنواعه.
 في تجسيد وربط واضحين لعلاقة المجتمع بأجسام النساء وإن كانت مصدر عزّة أو عار.

إشكالية استخدام لفظ العرض في السياق السياسي

تكمن الإشكالية في استخدام لفظ "عرض" في السياقات السياسية المختلفة لاستخدام لغة خطابية سلطوية تؤصِل لمدلول "العرض" بمفهوم الجسد بشكل لاواعي عند الطرف المستقبل.
 فمثلًا: في مقولة (الأرض هي العرض)، يتم تشبيه الحدود الجغرافية لمصر بأنها كالجسد الذي يجب حمايته ضد كل ما هو غير مألوف أو مختلف.
 ويتم وصم التخاذل عن حمايته بالوصم المجتمعي الخاص بـ"التفريط" في الجسد بالمفهوم الجنسي كفقدان غشاء البكارة أو المثلية الجنسية وغيرهم.
 إن إشكالية طرح خطاب سياسي أبوي هي أنه يربط السياسة بالمفاهيم الأبوية والتي تجعل جنسانية الأشخاص ملكًا لأشخاص غيرهم -بما فيهم مؤسسات الدولة- وتعرضهم لخطر في حال التمرد على هذه المنظومة.

الثوار والسلطة الأبوية

وفي خضم الصراع مع السلطة، إحتد صراع من نوع آخر بين النسويات والثوار؛ لتبني الثوار خطاب أبوي يجعل من النساء ملكيات لذويهم من الذكور ويُكرّس لملكية المنظومة لأجسام الأفراد وإختياراتهم\ن وتفضيلاتهم\ن سواء الجنسية أو الجسدية بوجه عام.

لماذا نثور على السلطة المهيمنة على الدولة إن كنا نهيمن إذًا على الخطاب الثوري؟ 

فالثورة في الأصل صراع ضد السلطة بأنواعها، وإن كانت الدولة مهيمنة فاهي بالطبع سلطة أبوية، كتلك التي تحتكر التصرف في أجسام الآخرين دون وجه حق، فإن سعت السلطة الاجتماعية للسيطرة على الأشخاص فهذا يصب في مصلحة السلطة السياسية، التي تسعى أيضًا للسيطرة على الأشخاص والمؤسسات وإحتكار السيادة.

لذلك فالسلطة الأبوية الاجتماعية والأبوية السياسية متداخلتان إلى حد يصعب معه الإنفصال إلا بالثورة على كليهما.
 ولذلك أيضًا، فلا معنى للثورة على السلطة الأبوية السياسية مع الإبقاء على السلطة الأبوية الاجتماعية، كما حدث في إحتجاجات أبريل 2016 والتي شهدت استمرار لنهج الإقتباس من السلطة الاجتماعية -التي تسحق مجموعات بعينها كالأقليات والنساء- لمواجهة السلطة السياسية.

بين الثورة والإبتزاز

فاستخدام شعار «الأرض هي العرض»، لم يكن يومًا سوى استمرار لمسلسل تهميش النساء وقضاياهن داخل التيار التقدمي الثوري.
 فإن إعترض تيار آخر كان الرد بأن الأولوية للحِراك في الشارع وأن الإلتفات لقضايا غير محاربة السلطة السياسية "تفاهة".

ففي نوفمبر 2012 وأثناء الإحتجاجات ضد الرئيس السابق محمد مرسي، لم تلقَ الإعتداءات الجنسية على النساء في التحرير قدرها السياسي كجزء من نضال النساء ضد السلطتين الاجتماعية والسياسية معًا، بل تم تهميشه كصراع ثانوي.
 ولم يكن التهميش فقط مصير قضية العنف الجنسي، فقد تم وصم الناشطات اللاتي جهرن بالإعتداءات ضد النساء في ميدان التحرير ومحيطه بأنهن لا يخشون على "سُمعة" ميدان التحرير في مواجهة تيار الإسلام السياسي والذي سيستغل الجهر للإشارة إلى الثوار كمجرمين يغتصبون النساء.

في النهاية، ما يفعله الثوار في هيمنتهم على الخطاب الثوري لا يختلف كثيرًا عما تفعله السلطة السياسية في مواجهة الثوار.
 فابستثناء العنف والسلطة التنفيذية، فالتهميش والإقصاء والتسفيه والتشويه هو مصير أغلب قضايا النساء داخل التيار الثوري.
 وإلى جانب ذلك، فهناك محاولة دائمة إلى فصل صراع النساء ضد السلطة عن صراع الثوار ضد نفس السلطة.

لتصبح بذلك النساء محاربات في جبهتين مختلفتين، إحداهما تنتهك والأخرى تهمّش الإنتهاك، وتوصم مَن يجهرون به.

فإن كنا بصدد تبني خطاب ثوري، فمن الضروري أن يكون الخطاب إئتلافيًا، غير إقصائي.
 ولابد ألّا نفصل بين تقاطعية صراع الأقليات ضد السلطة السياسية وداخل الحراك الثوري في آنٍ واحد، وعلى رأسها قضايا النساء وحقوق الجسد.

متابعة مقالات الكاتبة غدير أحمد، يُوصى بالضغط على زر Follow من الرابط التالي: http://goo.gl/BlfpdK

Journas

Never miss a story from us, get a weekly update to your inbox