أخترنالك 2: مقطع من رواية «كلبي الهرم كلبي الحبيب» ل«أسامة الدناصوري»

2 sec read

المسخ الصغير

3 صباحاً

الساعة الآن الثالثة صباحاً. بعد ساعة وربع بالضبط ستصحو سهير. سيؤذن المؤذن أولاً.

أتمنى ألا يكون ذلك الصبي الصغير، حفيد الحاج شكري، صاحب العمارة المواجهة، وبالطبع صاحب المسجد الرابض أسفل العمارة. كان -غفرالله له- هو كلٌ شئ: حارس المسجد، ومقيم الشعائر، والمؤذن، والإمام والخطيب. إن لم يكن يتنطع أمام أحد الدكاكين في المنطقة فهو في المسجد بالتأكيد. لم يكن سامحه الله يحبني كده لله في لله، وأنا بدوري لم أكن أطيقه. كان عندما يراني ينظر لي -شذراً مذراً- ثم يولي وجهه. ويبدو أنه نكاية فيٌ أنا بالتحديد، وضع في بلكونته المواجهة لبلكونتي ميكروفونين هائلين متوجهين إلي شقتي.

أنا الآن أترحم على أيامه وأفتقده أيما افتقاد. إذ بالرغم من أن صوته كان أجشاً وكريهاً، وبالرغم من أنه كان مصدوراً ودائم السعال، لم يكن الآذان يأخذ منه سوى ثوان معدودات ، يضيع نصفها في السعال. والخطبة التي كان يقرأها من ورقة، لم تكن تدوم سوى دقائق، ثم يقيم الصلاة.

ذات مرة، وفي منتصف إحدى الجمل أو الآيات، وهو على المنبر، والناس قعود بالأسفل، يتجرعون الخطبة كدواء مر منتهي الصلاحية، وأنا في البيت أمرر الوقت بأي شئ، وإذا بصوته يعلو فجأة: امشي يا إبن الكلب منك له. ثم عاد وأكمل جملته وكأن شيئاً لم يكن. خمنت أنه كان ولابد هناك بعض الأطفال يحومون حول باب المسجد وقتها.

بعدما مات الحاج شكري توارثت الميكروفون حناجر شتي. كل من هب ودب يجرب صوته في أذان فرض من الفروض.

وتقلبت على أذني الأصوات:

هناك الحاد اللاسع. وهناك الغليظ البطيء. وهناك القوي الجبار الذي يزلزل البيت بي. لكنهم جميعا يسعون إلى التجويد والإطالة قدر ما يستطيعون، كل حسب طريقته.

لكن كلٌه كوم وحفيده كوم، ذلك المسخ الصغير، الذي يثقب أذني بصوت كريه ، هو مزيج من صوت العِيرسة والصرصار.

الطفل يؤذن وأنا أخاف من صوته وأتشاءم.

إنني أحب الأطفال

( لا.. ليس كل الأطفال

فقط الذين لا يؤذنون منهم.

ستصحو سهير، ولن تجدني بجوارها، وستعلم لماذا نامت باستغراق هذه الليلة. إنني أشخر في الشهور الأخيرة شخيرا يوقظ النيام في الشارع المجاور. وأتحرك طوال الليل. ويدي اليمنى التي تنام بجوارها -بل التي تسهر بجوارها كلعبة شريرة- دائمة الحركة كالبندوول. ودائمة الخبط في المرتبة. المرتبة الفخمة ، ذات السجسّت. والتي تضخم أخفت الأصوات ، وتجعله يرن، ويرن، ويرن.

مصدر صورة غلاف الموضوع: العربي الجديد


مصدر الصورة: Goodreads

 #أخترنالك خدمة صحفية جديدة بيقدمها موقع بِنْ بِنْ، زي خدمات تانية قدمها
قبل كدا: #كل_يوم_مقولة، #هن_يكتبن، و#بن_بن_معلومة.الجواب واضح من عنوانه،
واحد من فريق عمل بِنْ بِنْ بيقع إختياره على مادة ما وبيرشحها لحضرتِك أو
لحضرتَك 🙂

Journas

Never miss a story from us, get a weekly update to your inbox