أكذوبة الأمومة: الحياة خارج نطاق حضنها

0 sec read

أكتشفت مؤخرًا وقد أوشكت على اللحاق بأوج المراهقة والعشرينيات أن العالم لا يمكن اختصاره في أمي و أول شخص يكذب علي، و هذا لا ينفي ابدًا تقديسي للأم ، فحتى القدسيين يكذبون.
فقد جعلتني اتصور ان اقصى ما يمكن تخيله من السعادة والملذه يتحقق في ضحكتها الراضية التي تغذي فيك الحياة و تخلق بداخلك إرادة في ان تكون، و قمة الفجعة و المصيبة حزنها الذي يحرمك من ملاطفتها او غضبها الذي يخيل لك منه ان نهايتك في العالم اقتربت اكثر مما ينبغي .
ومع ذلك -فكما كنت اظن- فإن كل شيء وأي شيء يمكن حله بسهولة عندما تكشف الجنة المخبئة بين ذراعيها و تغمرك بدفىء ينتشلك من نفسك الى هدوء ساكن لا يتخلله إلا انفاسها.
ولسوء الحظ فهذه ليست الحياة وانما هو مسلسل لطيف اختلقته امي لمواساتي لإن الحياة ليست بهذه الساذجة السهله.
الملذات و السعاده لها سبلٌ كثيرة منها ما يسير على طريق مستقيم وأكثرها ما يحيد الى طرق لا قوام فيها أبدًا، بل انه لا بأس في ان تكون مسلوب الارادة كليًا و لا رغبة لك في الحياة و مع ذلك فإنك مستمر في البقاء ليس إلا خوفًا من جهلك لما في الفناء وقد يختل استمرارك هذا بمحاولات عديدة للانتحار .
اما الحزن والفجعه مفهومان لا يمكن اختصارهما في رؤية جثة صاحبك الذي رافقك لفترة من الزمن وقد نهشها الموت ، ولا في رؤية سكين يفتح معبر لدماء غزيرة تفرش الأرض لجسد صاحبها معلنة انه ذبيحة لأخلاقيات أفسدها قسوة الزمان ، ولا قسوة الزمان نفسه يقدر على وصف الفجعه والحزن ، وانما هما مفهومان في حيز خارج نطاق عقولنا التي تؤمن برحمة الله -لإنها لم تحقق – .
و الأنكل والأمر ان حضن أمي لا يمكنه حل معضلة الحياة بما فيها من اخلاقيات متدنية و أفكار فاسدة و أفعالًا مؤذية تشعل في كل من هو على قيد الحياة نيران العذاب ، و رغم إيماني بمنطق كل ما مضى و ذكرته من سعة الحياة بما فيها عن ضيق ما تحاول الأمهات صياغته لابنائها في شكل حياة منعمة ، إلا اني الى الآن و حضن أمي يبعد عني آلاف الكيلومترات ، اكتنف في جانب الفراش و أنا أردد نداء خفي لها لتحتوي كل ذلك ، فإن لم يكن بمقدورها بالفعل حله ، فعلى الاقل بقدورها انتشالي لوهلة من نفسي الى هدوء ساكن لا يتخلله الى انفاسها.
وها هنا الايضاح الاخير في أن الحنان لا يمكن ادراجه في قائمة الكذبات ، وانما المحاولات الجاهدة للمبالغة في صنع نسخة مزيفة للحياة تحت كلمة أمومة.
Journas

Never miss a story from us, get a weekly update to your inbox