مورتس إيشر : عندما يتقاطع فن الرسم مع الرياضيات

3 sec read

داخل معرض فني، يقف شاب محدقا بلوحة ميناء سينغليا Senglea بجزيرة مالطا، و من بين المباني التي تظهر في اللوحة، معرض الفن الذي يقف فيه الشاب، حيث يقف هناك شاب آخر ينظر إلى صورة الميناء نفسه، و حيث تظهر المباني مرة أخرى مع المعرض الفني و الشاب. هذه اللوحة التي شكل متتالية لامتناهية تسمى “معرض الطباعة” “Print Gallery“، و هي للفنان الهولندي مورتس كورنيلس إيشر M.C. Escher ، انتهى من رسمها سنة 1956.

و لم يكتفي موريس بجعل لوحته على هذا الشكل من التكرار اللامتناهي، بل جعلها ملتوية ، خالقا بذلك أشكالا عجيبة و مستحيلة. لكن هذا العمل كان ليكون مثاليا لولا أن إيشر ترك بقعة بيضاء بوسط اللوحة خط عليها امضاءه. لكن بعد مضي أكثر من 50 سنة، استطاع عالم رياضيات من جامعة ليدن الهولندية أن يكمل اللوحة بنجاح و يملأ الفراغ الكامن بها.

· ” هل هي عبارة عن مشكل رياضياتي ؟ ”

يحكي البروفسور هندريك لينسترا عن لوحة “معرض الطباعة” في مقابلة أجرتها معه صحيفة “نيويورك تايمز” قائلا أن أول مرة رأى فيها اللوحة كانت في مجلة على متن طائرة من سان فرانسيسكو إلى أمستردام، و قرر الاستفادة من وقت الرحلة في حل هذا اللغز و كشف مركز اللوحة. ” تساءلت عما إذا كان بالإمكان إكمال الخطوط الداخلية، و هل هذه مشكلة رياضية لا يمكن حلها؟ بشكل عام، تساءلت عن ماهية التركيبة التي وراء الصورة. بمعنى أوضح، هل يمكنني أنا كعالم رياضيات، أن أرسم لوحة مثل هذه؟”. لم يعثر هندريك على إجابات هذه الأسئلة خلال رحلته، و إنما بعد عامين من البحث، حيث أفضى به الأمر إلى معرفة أن الكشف عن سر تلك البقعة البيضاء في اللوحة يكشف الكثير من الأسرار عن إيشر نفسه.

· في صغره، لم يكن تلميذا متميزا:

إيشر لم يكن من
التلاميذ المتفوقين، و معارفه الرياضياتية العامة كانت تقتصر على ما تلقاه خلال
التعليم الثانوي. بدأ في تعلم الهندسة المعمارية، لكنه تركها واتجه لبناء مسيرته
كمصمم جرافيك. و بالرغم من قصور معارفه النظرية إلا ان الرياضيات و الهندسة شكلتا
مفاتيح هامة لأعماله. فـالتقسيم المنتظم للأسطح و التركيب الهندسي للفسيفساء كانت
مفاهيم اهتم بها إيشر بشكل كبير و جعلها عنصرا مركزيا في مختلف أعماله. وقد اكتشف إيشر هذه التصاميم لأول مرة عام 1936 في قصر
الحمراء بغرناطة، حيث أمضى هناك أياما يعمل على انجاز نسخ من التصاميم الهندسية التي
تزين القصر. فـالكثير من نقوشه تجسد أشكالا متحركة، تخلق المساحات الفارغة بينها أشكالا
جديدة … 

فيما بعد، بدأ إيشر يفكر في الذهاب أبعد من ذلك: كان يفكر فيما إذا كان ممكنا ملء صورة بأشكال ثابتة و متحدة مع بعضها، لكنها تغير من حجمها بطريقة منتظمة. وجد إيشر حل هذه المسألة بأحد المقالات العلمية، ورغم أنه – باعترافه شخصيا – لم يفهم كثيرا مما وُجد في المقال، إلا أن ذلك ساعده في تطوير معرفته بالرياضيات بشكل بصري و بدهي. بالطبع في البداية كانت رسوماته تشوبها بعض الأخطاء في المنظور، رغم أنها – مع الفحص الدقيق- تظهر و كأنه من المستحيل رسمها. أولى لوحاته عرضت سنة 1954 بالمؤتمر الدولي لعلماء الرياضيات في أمستردام. ومنذ ذلك الحين، شكلت حواراته مع علماء الرياضيات إلهاما كبيرا له في رسم “الخدع البصرية” و التمثيلات اللانهائية.

· تقاطع الفن و الرياضيات:

في لوحته “معرض الطباعة” يتبلور التقاطع الفريد بين الرياضيات والرسم. فهنا يتحدى إيشر قوانين المنظور من خلال خلق تكرار لانهائي وملتو، دون أن تتوفرله الوسائل ولا الحسابات اللازمة لإكماله. يشير البروفسور لينسترا إلى ما يعرف بتأثير دورست “Droste effect” (نسبة إلى صورة دعائية وضعت سنة 1904 على علب الشوكولاتة الهولندية Droste cocoa ), هذا التأثير الذي يتجلى في ظهور صورة داخل نفسها، في المكان نفسه الذي يتوقع أن تظهر فيه صورة مماثلة أخرى. و هو نفس التأثير الذي أشرنا إله بداية في لوحة “معرض الطباعة”. اكتشف لينسترا من خلال محادثة مع أحد أصدقاء الفنان ايشر و مؤلف كتاب” المرآة السحرية لإيشر”، أن هذا الأخير كان يفكر في أن يجعل اللوحة عبارة عن متتالية دائرية مستمرة في شكل حلقة مغلقة، من دون بداية أو نهاية، تماما كشكل دوامة الماء.

· كيف نجح لينسترا في ذلك؟

قضى فريق لينسترا أشهرا عدة في التجريب – وحتى التخمين- في الصيغة الرياضية التي استعملها ايشر في لوحته. و ما إن تم العثور عليها حتى أصبح أمر ملأ البقعة البيضاء في اللوحة أمرا هينا بفضل تكنولوجيا المعلومات، حيث تمت إزالة الشكل الدوراني في اللوحة و تحويلها إلى شبكة مسطحة، ثم تم ملئ الفراغ لإكمال المشهد اللامتناهي ، قبل أن تتم إعادته إلى شكله الأصلي بواسطة الصيغة نفسها التي تم تحديدها.

بعد عامين من تلك الرحلة إلى أمستردام، حل لينسترا وفريقه واحدا من أكبر الأسرار لواحد من الفنانين الأكثر غموضا، ذلك أن ايشر كان عبقريا، بداخل عبقريا، بداخل عبقري …

Journas

Never miss a story from us, get a weekly update to your inbox