ملك في منفى العمر

1 sec read

“إن كل حكاية هي بمنزلة ((بروفة نهائية للموت: لأن كل حكاية لا بد أن تنتهي, إلا أن الحكي يعيد الأشياء الضائعة, عندما يحكيها”

أو كما قال شكسبير: ((دعنا نجلس على الأرض و نحك قصصاً حزينة عن موت الملوك.))

و لكن ما هي الطريقة التي يريد الملوك أن يموتوا بها؟ يقول الجنرال ديجول رداً على هذا السؤال: ((أريد أن أموت حياً).

نحن أمام الموت متساوون سواء كنا ملوكاً أقوياء أو أشخاصاً ضعفاء فالموت يسلب الجميع أسلحتهم, و لكن هل يتساوى حزننا على صقر ميت بحزننا على نملة؟

لطالما جذبتنا القوة و أعجبتنا , أليس من أسباب إعجاب الأبناء بآبائهم هو إعجابهم بقوتهم و قدرتهم على فعل أشياء يعجز الأطفال عن فعلها؟

يقول أرنو جايجر :”ولأن الانسان منذ طفولته يرى والديه في صورة الأقوياء القادرين على مواجهة صعوبات الحياة, فإن رؤية الضعف الذي يستنزفهما بالتدريج تكون أصعب من رؤية ذلك يحدث للآخرين.”

“ملك في منفى العمر” كتاب خفيف يفيض حناناً ورقةً للكاتب النمساوي “أرنو جايجر” يحكي فيها قصة والده المصاب بمرض ألزهايمر,الكتاب عبارة عن سيرة ذاتية يحاول فيها أن يصور علاقته بوالده و كيفية تأثر هذه العلاقة و تغيرها بوجود المرض الذي يطلق عليه الكاتب “مرض العصر.”

في البداية لم يدرك الكاتب و لا إخوته أن أباهم يعاني من أعراض مرض ما, و لكن مع تقدم الزمن و زيادة حدة المرض واكتشافه يلوم الكاتب نفسه وإخوته على تأخرهم في اكتشاف المرض ويبدؤون في رحلة الهروب منه و محاولة الحفاظ على القدرات العقلية لوالدهم.

يقول الكاتب:”إذ كنا وأبي الفئران و كان المرض هو القط.”

أسلوب الكاتب يفيض حناناً و رقةً في وصف والده و مشاعره تجاهه بعد أن قربه المرض منه, لقد كان للمرض تأثيراً ليس على المريض فقط و لكن على كل المحيطين به

يقول الكاتب: “لقد غيرنا جميعاً المرض.”

و يعترف الكاتب بأنه لا مناص لنا من الاعتراف بالهزيمة و الاستسلام أمام هذا المرض الذي عجز الطب حتى الآن عن إيجاد علاج له.

يقول الكاتب:” أدركت الآن أن هناك فرقاً بين أن يستسلم المرء لأنه فقد الرغبة في الحياة و أن يستسلم لأنه يعرف أنه مهزوم لا محالة.”

و من ثم بعد الاعتراف بالهزيمة يصور لنا الكاتب مشاهد من الحياة اليومية لوالده في ظل المرض و الأسلوب الذي اعتمده في التعامل معه مؤكداً أن كل مريض مختلف عن الآخر و التعميمات عادةً تكون غير دقيقة و لكن الأمر المشترك بين مرضى ألزهايمر هو عدم إمكانية ثبر أغوارهم.

كان السيد “أوجوست جايجر” والد الكاتب مشهوراً بالمرح و الحكمة و لكن كل ذلك اختفى في ظل النسيان المسيطر على عقله, إن أكثر أعراض هذا المرض إيلاماً هي النسيان الذي يتحول من نعمة عندما يكون طبيعياً إلى نقمة.

لقد نسي المريض كل شيء حتى أنه لم يعد بإمكانه التعرف على بيته و صار طلبه الدائم هو العودة إلى بيته, إنه السعي الدائم إلى الشعور بالألفة و الاحتواء و البحث عن الأمان في ظل الشعور بالغربة فهو لا يتعرف إلى المكان و لا إلى الأشخاص.

يقول الكاتب: ” فقد أصبح العالم كله بالنسبة إليه غريباً”

و بين كل فصل و آخر من فصول الكتاب .. مقعطاً حوارياً بين الكاتب و والده و قد اخترت لكم هذا المقطع بالتحديد فقد شعرت من خلاله أنه رغم كل النسيان الذي ألم بعقله فهو ما يزال وفياً لمشاعر الأبوة وقادر على استرجاع السعادة التي منحته إياها:

ما أسعد أوقات حياتك يا أبي؟

عندما كان الأبناء صغاراً.

تقصد نفسك و إخوتك؟

لا, بل أبنائي.

دفعني الكتاب إلى القراءة أكثر عن هذا المرض و التعرف عليه فقمت بقراءة كتيب صغير عنه من تأليف الدكتور “سمير أبو حامد” و يذكر فيه أن المرض شائع الحدوث بعد سن الخامسة و الستين في المجتمعات الغربية, و متوقع أن يتواجد المرض بنسب هامة في المجتمعات العربية بسبب عوامل خطيرة هامة مثل انخفاض مستوى التحصيل العلمي و الثقافي, و عدم الاهتمام بممارسة الرياضة, و عدم السيطرة على عوامل الخطر الوعائية خاصة السكري و ارتفاع ضغط الدم و البدانة.

من أهم النصائح لتقليل خطر الإصابة بهذا المرض هي الإبقاء على الدماغ نشيطاً من خلال:

تعلم شيء جديد مثل لغة ثانية أو آلة موسيقية.

التواصل الاجتماعي.

القراءة و الكتابة.

الالتزام بالتعلم مدى الحياة.

في النهاية,, هل هناك أشد ألما من أن تسلبك الحياة ماضيك قبل أن تودعها، أن تعيش فارغا من الذكريات، السعيدة التي تفرح قلبك باسترجاعها و الحزينة التي تسعد أيضا بها فلولاها ما تعلمت و ما عرفت معنى الفرح .. هل هناك أشد ألما من أن تشعر أنك بلا انجازات ؟ أن تنسى ما حققت في حياتك ؟ أن تنسى بيتك الذي قمت ببنائه ؟ أن تنسى أولادك و تغترب عن الناس و المكان ؟ بل عن الدنيا بأكملها؟ 

أن أموت حيا كما قال ديجول أن أموت مستمتعا بكامل قواي العقلية حتى آخر نفس من حياتي.. إنها ميتة الملوك التي أتمناها
و أتمنى من الله أن يبعد عني و عنكم و عن أحبابنا جميع الأمراض.

Journas

Never miss a story from us, get a weekly update to your inbox