كيف تقيِّم رواية ما ؟

2 sec read

الرواية قد تكون من بين أكثر الأجناس الأدبية انتشارا، حيث أصبح القارئ يجد نفسه أمام عناوين و موضوعات شتى. لكن و مع دخول الكثير من الكُتَّاب غمار هذا الميدان، عن دراية و عن غير دراية، أصبح من اللازم وضع معايير يستند عليها القارئ لتمييز الغث من السمين و اختيار النص الروائي الذي ينمي رصيده اللغوي و يسمو بذوقه و ينمي مداركه ..

ما هي أساليب القراءة؟ كيف نرتقي في درجاتها؟

قبل وضع معايير للرواية الجيدة، وجب أولا أن نعرج على أساليب القراءة المختلفة التي قد يتبعها القارئ:

فهناك أولا، كمستوى أدنى، القراءة العادية السطحية : و هي قراءة غالبا يلم فيها القارئ فقط بالجانب القصصي، و ينغمس بشكل كلي في أحداث الرواية دون أن يكون هناك تحليل لما بين السطور. يلي هذا المستوى القراءة التحليلية، و هنا يبدأ القارئ في التحرر من سلطة القصة و يغوص شيئا ما في معاني الرواية. القراءة هنا تكون متأنية، و يحاول فيها القارئ أن يربط خيوط الرواية ويقرأ ما بين السطور ليستجلي طبائع الشخوص، وعلاقاتهم، و يفهم دوافعهم. ثم هناك مستوى أعلى و هو القراءة الناقدة، حيث ينتقل القارئ من فعل القراءة إلى فعل التفكير، و يمارس سلطة النقد للنص الأدبي الذي بين يديه. في هذه المرحلة يصبح القارئ قادرا على انتاج رأي خاص به فيما يقرأ و يصبح جزءا من الصناعة الروائية إن أمكن التعبير. بقي مستوى أخير و هو القراءة الإبداعية، حيث يجد القارئ نفسه و قد فاضت بما اجتمع فيها من قراءات عديدة، عندئذ تصبح لديه الرغبة في الانتقال من القراءة إلى الكتابة، و ذاك مستوى أعلى لا يتأتى بسهولة …

لم كل هذه التقسيمات؟ و ما علاقتها بالتمييز بين الرواية الجيدة و غيرها؟ أقول، إن البداية يجب أن تكون من جانب القارئ، فعندما يرتقي هذا الأخير في مستويات القراءة هذه يصبح التمييز سهلا، و اختيار الرواية الأنسب و الأكمل، من حيث اللغة و الحبكة الدرامية و الرمي بعيدا في سماء المعاني، يصبح كل ذلك ميسرا. أما كيف يتم هذا الانتقال، فذاك مرتبط أساسا بوعي القارئ بضرورة هذا الانتقال أولا، ثم بالمحافظة على فعل القراءة. فالقراءات المتتالية و المتنوعة تنمي الملكات الفكرية و اللغوية لدى القارئ و تحيله شيئا فشيئا على مستويات أعلى تتيح له تحليل العمل الروائي و الحكم عليه بشكل جيد.

ما هي معايير الرواية الجيدة؟

ذكرنا أن القراءات المتتالية من شأنها أن تنمي ذوق القارئ و تجعله قادرا على الحكم على العمل الذي بين يديه، لكن الأهم هاهنا هو النوع و ليس الكم. فأن تقرأ عشرات الروايات “الرديئة” لن يضيف إلى رصيدك شيئا، بينما رواية جيدة واحدة قد تفتح لك آفاقا كنت تجهلها و معان لم تطلع عليها قِبَلا. و هنا تظهر بشكل جيد العلاقة بين مستويات القراءة و جودة النص الروائي. فالرواية الرديئة، إن جاز التعبير، تقف بك عند المستوى الأول. فهي تركز على الأحداث، وربما تضفي على القصة بعض الدراما المبالغ فيها حتى لتبدو كفلم سخيف… رواية كهذه لن تضع بين يديك مفاتيح لسبر أغوار الشخصيات، و لن تفصح لك عن معان كنت تجهلها، و ستنتهي بك قراءتها دون أن تضيف لك شيئا ذا بال …

أما الرواية الجيدة، فتدفعك دفعا إلى التحليل و الغوص عميقا فيما بين السطور والتنقيب عن الرمزيات و المعاني المختلفة التي يرمي إليها الكاتب. الرواية الجيدة أيضا يجب أن تتمتع بطابع لغوي سلس، و أن تلامس المعنى برقة ألفاظها التي تعلق بالوجدان، بل أذهب بعيدا فأقول، أن الرواية الجيدة يجب أن تثقفك ! يجب أن تتخطى حدود كونها نصا أدبيا زاخرا بالتعابير الرقراقة إلى أن تكون وسيلة من وسائل تنمية الثقافة و مصدرا للمعرفة، و هنا يبرز دور الكاتب وتتجلى عبقرتيه في اشتغاله على عناصر النص المختلفة. فالكاتب العبقري لا يختزل العمل الروائي في نص سردي قصصي، بل يعطيك نبذة تاريخية عن مكان وقوع الأحداث، و قد يدخل بك في متاهات التنظيمات السياسية التي سادت أنذاك، و سينتقل بك بسلاسة بين حاضر الشخصيات و ماضيهم، وقد يتيح لك استشراف المستقبل أيضا. الكاتب العبقري أيضا لن يسرد عليك كل شيء، و لن يعطيك المعنى جاهزا على طبق من ذهب، بل يوظف فنونا أخرى لإيصال المعنى ببراعة، و يترك لك مساحة فراغ تملؤها أنت بتحليلك، كأن تستشف طبع إحدى الشخصيات من خلال لوحة فنية، أو تستوضح طبيعة العلاقة بين الشخوص بناء على قطعة موسيقية،  و ربما أثر على ذوقك الفني فأحببت نوعا موسيقيا ما كنت تتخيل أن تستمع له يوما.. الكاتب العبقري أيضا لن يدخر جهدا في تحميل روايته آراءه الخاصة عن بعض القضايا، لكن بشكل غير علني، فاتحا بذلك المجال أمامك لتفك شفرات المعنى كما يحلو لك ..

هل لموضوع الرواية دخل في الحكم عليها إن كانت جيدة أم لا؟

كما هو معلوم، فإن المواضيع التي تطرحها الروايات تختلف اختلافا متباينا، لكن الحكم على جودة الرواية انطلاقا من موضوعها أمر قد يكون خاطئا أحيانا. فهناك العديد من الروايات على الساحة العربية والعالمية تتحدث عن قضايا مهمة كالتعايش الديني، و أزمة اللاجئين و معاناة النساء في بعض المجتمعات و غيرها، لكنها، و لعوامل عدة متداخلة بين ما هو لغوي و بين ما هو مرتبط بالكاتب نفسه و براعته، نجد أن هذه الروايات لم تعالج الموضوع بشكل كاف، أو انها لم تضعه في سياقه الصحيح أو أن ركاكة الأسلوب و غياب الحبكة الدرامية حالت دون الوصول إلى رواية “جيدة”. على أن تفضيل موضوع على آخر يرجع بالأساس إلى القارئ و ذوقه، و هنا وجب أن ننوه أن على القارئ إذا أراد أن ينمي ذوقه و يرتقي في درجات القراءة التي سبق أن ذكرنا، عليه أن يختار موضوعات مختلفة في كل مرة و ألا ينساق دائما لرغبته في قراءة صنف معين من الروايات، كما هو حال الكثيرين مع الروايات ذات الطابع العاطفي، و التي نجد أغلبها مصنفة تحت بند “الأكثر قراءة” نظرا للإقبال الكبير عليها، وليس لكونها ذات فائدة تذكر..

موضوع آخر لطالما شكل وجوده بين ثنايا الروايات جدلا بين القراء و حتى بين الكُتَّاب أنفسهم، ألا و هو الجانب الايروتيكي. فلا تكاد تخلو رواية عربية أو عالمية من حشو لهذا الموضوع. على الساحة العربية … أكمل القراءة من هنا http://ida2at-2033742816.eu-central-1.elb.amazonaws.com/novel-literature-and-quality-standards/

Journas

Never miss a story from us, get a weekly update to your inbox