عز الدين شكري فشير: رواية “كل هذا الهراء”

0 sec read

التقييم 4/5
الأيام الخرا فايدتها النوم
“عمر فخر الدين” يقابل “عز الدين شكري فشير” ويُسلمه ملفات صوتيه فيها مذكراته اثناء الثورة وبعدها. ويطلب منه ينشرها في شكل رواية -رغم عدم اقتناع عمر بالفكرة- وذلك حسب تشجيع “أمل مفيد” له للقيام بذلك. ولأن المحتوى يحتوي على أشياء قد “تخدش” الحياء العام، والكاتب لا يريد الدخول للسجن بسبب رواية (كما حدث مع أحمد ناجي) فنشر تنويه ان قراءة الرواية غير إجبارية والرواية تحتوي على أشياء قد تخدش الحياء وعليه من يقرّر قراءة الرواية يتحمل المسؤلية كاملة 🙂
الرواية فعلياً أحداثها تبدأ بعد خروج “أمل مفيد” مصرية تحمل الجنسية الأمريكية، وهي ناشطة في مجال حقوق الإنسان من السجن بعدما قضت سنة كاملة على خلفية القضية التي عُرفِت إعلامياً بـ “التمويل الأجنبي” أو “المنظمات الحقوقية”. وقد استطاعت الخروج بسبب تخلّيها عن “الجنسية المصرية” ولذلك يقيم لها أصدقائها حفلة بمناسبة خروجها وأيضاً بمناسبة توديعها لأنها ستسافر إلى أمريكا. وبعد خروجها من الحفلة وهي في حالة “سكر” تركب تاكسي يكون سائفه “عمر فخر الدين” وينتهي بها الأمر في الفراش سوياً. وهنا تبدأ الرواية”
تبدأ أولاً “أمل مفيد” في التعريف عن نفسها لـ “عمر فخر الدين” وهي بنت الرجل العسكري السابق والذي سافر بهما إلى أمريكا وهي في عمر السادسة ليكون وسيط في صفقات توريد السلاح وبعض الأنظمة التكنولوجية للجيش المصري. وتتخرج من كمحامية وتعمل في مجال حقوق الإنسان والمساعدات في أكثر من بلد وينتهي بها الأمر في أحد المنظمات الحقوقية في مصر وتدخل للسجن مع كثيرين على ذمة قضية تتهم المنظمات الحقوقية بالتمويل الخارجي غير القانوني.
ثم يبدأ “عمر فخر الدين” في الحديث عن نفسه. هو ابن لرجل إرهابي والذي تربى هو نفسه في “مزرعة شمال الخرطوم” التي انشأها الإرهابي “اسامة بن لادن” لتدريب وإعداد الإرهابيين. ويتورط الابن “عمر” في محاولة لتفجير مقر إجتماع القيادات الإرهابية للتخلص منهم بالتعاون مع ضابط أمن دولة مصري “أيمن”.
وبناء على طلب “أمل” لـ “عمر” أن يحكي لها ما حدث في البلاد طوال العام السابق أثناء سجنها، يبدأ عمر في الحديث عن قصص لأصدقائه خلال تلك الفترة، كيف دخلوا في الثورة وكيف انتهت بهم الدنيا. مرحلة تقلبات لشرائح مختلفة من المجتمع.
وقصص “عمر” تناقش شرائح مختلفة. ستجد الإسلامي والإرهابي والليبرالي والثوري. ستجد الألتراس وأمن الدولة. أي ستجد نفسك بالتأكيد في أحد تلك القصص أو قد تجدها في جميعها، وهي التي تمثل مرحلة انتقالك الفكري من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين.
الكاتب “عز الدين شكري” هو دبلوماسي سابق، ولغته الروائية رائعة وسهلة. ترتيب الأحداث مُبهر وتلخيصها أيضاً مُبهر. هذه الرواية هي الرابعة لي مع الكاتب (بعد: عناق على جسر بروكلين، وباب الخروج، وأسفار الفراعين). و هذه الرواية مثل باب الخروج و أسفار الفراعين، تتحدث عن الفساد الإداري (أو فساد النظام الحاكم) في مصر، سواء قبل قيام الثورة أو بعدها.
الرواية ستنعش ذاكرتك. نحن من عاصرنا ثورتين ونسينا ما حدث أو قد يكون عن قصد تناسينا ما حدث. الرواية هي لمحة سريعة عن الأحداث والأفكار والمبادئ التي مر بها كل من منا. من كان لا يعرف السياسة ثم أصبح ثورياً ثم تبنى الليبرالية (وهو لا يعرف معنى أن تكون ليبرالياً) ثم معارض لكل الأنظمة بحجة أن الثورة مستمرة و”يا نجيب حقهم يا نموت زيهم” ثم حالة اللامبالاة. ستجد المُتدّين والمتطرف والمتفتح والشاذ جنسياً والمنحل أخلاقياً والظالم والسادي والفاسد. سترى مصر بعيون كل هؤلاء.
“عز الدين شكري فشير” لم ينحاز في الرواية لأي وجهة نظر ولكن وقف على الحياد (ورغم اني أعتبر أنه تبنى وجهة نظر “عمر فخر الدين” وهي نظرة العارف بالأمور بحكم تربيته ونشأته وبالتالي أصبح ليس لديه أمل في المجتمع.
أنا لستُ بطلاً، وأكره القضايا الكبرى وأصحابها. لا شاركت في ثورة يناير ولا ضدها ولا فيما تلاها. ما أعرفه هو الاهتمام بمن أعرفه، بأصحابي وأقربائي ومن أستطيع مساعدته بيدي. أما الأفكار الكبيرة ومحاولات إصلاح الكون فليس لي فيها، ولا أحبها، ورأيي أنها تنتهي دوماً بكوارث. أبي أضاع حياته سعياً خلفها وطلعت أنا وحدي بلا أب ولا أم بسبب ذلك. شكراً جداً. وكل هؤلاء الذين يقتلون بعضهم بعضاً يفعلون ذلك باسم الإسلام أو الوطنية أو العدالة الاجتماعية. لا الإسلام ضاع ولا انتشر، ولا الوطن سقط ولا نهض. ولا العدالة الإجتماعية تحققت ولا غابت، لا هنا ولا في أي مكان في الدنيا. كل ما حدث أن الناس ماتت. على قدر معرفتي فإن الأمور تحدث حين يحين وقتها، حين تتوفر أسبابها، لا حين ينذر ناس حياتهم -أو حياة غيرهم- لتحقيقها. وبالتال كلما سمعت أو شاهدتُ شخصاً يدو الناس للتضحية من أجل قضية كبرى، قلت في سري: “ك..ك. أذهب واعتن بنفسك، أو بأطفالك، أو بجيرانك، أو افعل أي شيء مفيد.
– لكن لِمَ لا تنخرط أنت في الحياة؟ هذا ما لا أفهمه. ألا ترغب في فعل أي شيء؟
– كما قلت لك؛ “الأيام الخرا فايدتها النوم”. وهذه أيام خرا، ومن ثَمَّ لا شيء يُفعل غير النوم. سأنام، في انتظار حدوث شيء ما.
– وإذا لم يحدث؟
– يكون الوقت قد مر.
– ألا تخشى من التعفن من كثرة النوم؟
– أخشى من التعفن؟ كل ما ترينه حولكِ هو جزء من هذا التعفن. هذا بالضبط ما أحاول قوله لك منذ الأمس، إننا تعفّنا، كلنا، بثورتنا وثورتنا المضادة، باختلافاتنا واتفاقاتنا، تعفّنا ببطء، ونواصل مسيرة التعفن بنجاح ساحق
ورغم أن الرواية تحتوي على مشاهد جنسية وألفاظ خارجة، ولكني لا اعتبرها مؤثرة في الرواية. فلو تم حذفها لما حدث أي اختلاف. الرواية تستحق القراءة، ونصيحة لو أنت ممكن لا تحب الألفاظ الخارجة أو المشاهد الجنسية في القراءة فلا تقرأ الرواية. وإن كنت تعتقد أنك ستقرأ عمل سياسي أو فلسفي عن الثورة فلا أنصحك بالقراءة.
“عز الدين شكري فشير” من الأقلام المتميزة جداً في هذا الوقت، ونعيب على أمثاله قلة إنتاجه. فهو يتركنا في مستنقع من الأدب الفاشل والذي تتسع مساحته مع الوقت.
المشكلة الوحيدة بالنسبة لي، هي “أمل مفيد” وهي تتفاجئ، فكل مرة تتفاجئ فيها تقول: يا للهول. تشعر وكأنها تحولت إلى “يوسف وهبه”.
الغلاف لا بأس به. بالرغم انه ليس سيء ولا جيد، ولكنه لا يُعبِّر عن الرواية.
رجاء إلى الدبلوماسي والروائي “عز الدين شكري فشير”، لا تغيب عنا فترات كبيرة.
Journas

Never miss a story from us, get a weekly update to your inbox