تأملات مسائية

0 sec read

من عاداتي – الغريبة على ما أظن – التي ألفتها منذ الصغر و لا زلت إلى الآن مواظبة عليها كلما سنحت لي الفرصة بذلك أن أصعد مساء إلى سطح البيت و أقف متأملة .. أتأمل السماء .. الغيوم التي تعبرها .. أتأملها جيدا حتى أرى أشكالا غريبة تبدأ في الظهور .. كأن أرى سفينة، او وجه شخص .. أو ورقة شجر .. كل ذلك مشكلا بسحابة .. أتأمل غروب الشمس .. أراقب تلك الألوان المتدرجة .. ازرق فأصفر فبرتقالي .. ككرة من نار ألقيت في بحر .. أرقب الشمس طويلا و هي تختفي .. أدير وجهي ليقابل اتجاه هبوب الرياح .. بعضها قوي و بعضها هادئ كالنسيم .. آخذ نفسا عميقا يملئ رأتي ..و أشتمها بعمق .. كنت و لا زلت أؤمن ان الرياح تهب حاملة في طياتها رسائل مشفرة .. لذا عندما قرأت في إحدى الروايات على لسان شخصية قولها ” فقط استمع للرياح .. هذا ما أفعله دوما”، ” قل إن الهواء يهب. يمكن أن يكون رياحا قوية و عنيفة أو نسيما رقيقا. و لكن في النهاية كل هواء يخبو و يتبدد. ليس للرياح شكل. مجرد حركة هواء. عليك أن تستمع جيدا. و عندها ستغهم مغزى المجاز”. عندما قرأت هذا الكلام فهمت جيدا ما يرمي إليه الكاتب، بل و شاطرته الرأي ..
أشيح ببصري إلى جهة الغروب ..بدأ قرص الشمس يتناقص و راح ضوئه الساطع يخبو شيئا فشيئا .. نهاية عادية ليوم عادي .. ذلك ما قلت في نفسي. لكن أتراه حقا عادي؟ قد أكون أنا التي أحكم عليه من موقعي، من مشاعري، و من منظوري، أراه عاديا، في حين أنه بالنسبة لشخص آخر على مسافة قريبة مني قد يكون يوما استثنائيا ! أرأيت كيف كيف نسمح لأنفسنا بالانسياق وراء ذاتيتنا .. و نسرع بوضع أحكامنا الخاصة على الأشياء .. و نأبى ألا أن نسبغ على الموجودات من حولنا شيئا من مشاعرنا، من أفكارنا، من تجاربنا، و كأننا نريد أن نجعلها امتدادا لذواتنا؟! كل منا يفعل نفس الشيء، تختلف الطرق نعم، لكن تظل النتيجة واحدة، .. تعزيز الشعور الطاغي بالذات و البحث عن امتدادات لها ..

أعود من تأملاتي الغارقة فأجد الشفق الاحمر قد غاب و جل محله لون أصفر ، و اكتست السماء بلون زهري خفيف على الجانب الأخر .. تتتابع الألوان و تختلط ببعضها البعض كأنها في مهرجان صيفي حافل.. فكرت أنه و لاشك أن عظماء الفنانين و الرسامين وجدوا إلهامهم الأول من هنا، من الوان السماء .. خاصة رواد الفن التجريدي الذين يستلهمون لوحاتهم من الطبيعة، بيد أنهم يستغنون بالرمز عن الأصل، و بالشكل عن الجوهر، و بذلك يجعلون المجال متاحا للناظر أن يتخيل ما يشاء انطلاقا من لوحة واحدة .. الفنان هنا ينأى بعيدا بنفسه و ذاته، لا يريدك أن ترى صورة واحدة كما يراها هو، بل يحاول أن ينقل لك ما يعتمل في صدره من مشاعر و ما في عقله من أفكار عن طريق الخطوط و حركتها و توزيع اللون .. و يترك لك الحرية في أن تفك شفرات اللوحة كما يحلو لك .. و تسبغ عليها شيئا من ذاتك ..
تنتزعني من تأملاتي نفحات المساء الباردة، و تداعب أنفي رائحة الشاي  فألبي النداء على غير عجلة، ناظرة ألى السماء بابتسام آملة في غد أفضل ..

Journas

Never miss a story from us, get a weekly update to your inbox