أنتوني فلو: كتاب “هناك إله: كيف غيَّر أشرس ملاحدة العالم أفكاره؟!”

1 sec read

التقييم 4/5

ينتمي “دوكينز” إلى نفس نادي كُتَّاب تبسيط العلوم مثل “كارل ساجان” و”إسحاق عظيموف” من الجيل السابق. رأى هؤلاء المبسطون أنفسهم ليس فقط مجرد كتبة، ولكن ككهنة عليا. ومثل دوكينز، أخذوا على عاتقهم، ليس فقط ثقيف العامة بما وصل إليه العلم، لكن أيضاً تحديد ما إذا كان يجوز للمخلصين للعلم أن يؤمنوا بالأمور الميتافيزيقية أم لا.

“أنتوني فلو” هو أشهر ملحد طوال الـ 100 عام الماضية. (أكثر شهرة حتى من “تشارلز دوكينز”)، لأنه ليس مجرد ناسخ للأفكار الإلحادية -مثل تشارلز- ولكن “أنتوني” فيلسوف. فموقفه الإلحادي مبني على فلسفة قام بتطويرها عبر 70 عام. ويعتبر “أنتوني” من المؤثرين في حركة الإنتاج اللاهوتي المسيحي المدافع ضد الإلحاد، فكتبه كانت دائماً تحرك المياة الراكدة في الأواسط الفلسفية واللاهوتية المسيحية على السواء.

يحكي “أنتوني فلو” في هذا الكتاب ملخص لحياته، كيف أصبح ملحداً ولماذا أصبح مؤمناً بوجود إله مرة أخرى في نهاية عمره (أعلن إيمانه بوجود إله 9 ديسمبر عام 2004م وكان وقتها يناهز الـ 81 عام). فهو لم يفعلها لأجل الشهرة أو المال لأنه حظى بهما طوال حياته المهنية كفيلسوف ملحد.

تقريباً كل ما قرأته من تجارب لملحدين تراجعوا عن الإلحاد، كانت الحرب العالمية الثانية هي عامل أساسي في اتجاههم للإلحاد. وبالتحديد مشكلة “وجود الشر”. معظم هؤلاء رأوا ما فعله الحرب بأصدقائهم وعائلتهم وما حدث لهم من قتل وتشوه في الأعضاء وإصابات بالغة، وطوال الوقت كان السؤال الذي يتردد هو “أين الله من كل هذا الشر؟” و”لماذا لا يفعل الله شيء ضد هذا الشر؟”، “هل الله شرير ليخلق هذا العالم الشرير؟”، “هل الله يحبنا ولكنه عاجز عن في فعل أي شيء ضد الشر؟”.

“أنتوني فلو” من عائلة مسيحية صميمة، ولكنه منذ صغره لم تجذبه الشعائر الدينية وكان يرى أنه لا فائدة منها، وانها ثقيلة عليه. وعندما دخل مدرسة داخلية وتخرج منها وهو في الـ 15 من عمره كان قد تأكد تماماً من إلحاده. وبالرغم من ذلك لم يصارح والده بإلحاده أو حتى تناقش معه في أي من الأمور الإلحاديه. فوالده كان “كاهناً” في الكنيسة الميثودية الويزلية (إحدى الطوائف البروتستانتية في إنجلترا) وكان يعمل محاضراً في دراسات العهد الجديد وأصبح بعد ذلك رئيس الكلية اللاهوتية الميثودية لمدة عام واحد ورأس المجلس الفيدرالي للكنيسة الحرة. وبالتالي لم يكن والده مجرد مسيحي عادي، ولكنه كان باحث من العيار الثقيل وهو ما أثّر في “أنتوني فلو” طوال حياته، فكان مثل والده عندما يريد أن يعرف شيء كان “يقوم بجمع وتحليل كل المعلومات ذات الصلة”.

تأثر “أنتوني فلو” بفلاسفة كثيرين وستجد الكتاب مليء بأسماء الكتب والفلاسفة سواء ملحدين أو مؤمنين بوجود إله. وأصبح “أنتوني” مع الوقت مثلهم له إنتاجه الفلسفي الخاص. أي ليس مجرد قارئ لفلسفات الآخرين، ولكن صانع للفلسفة أيضاً.

شعاره في البحث عن الحقيقة هو مبدأ سقراط “يجب علينا إتباع الدليل إلى حيث يقود” وهو ما إلتزم به حتى وفاته. فلم يخشى آراء الناس ولكنه كان صادق مع نفسه. اتبع الدليل عندما قاده للإلحاده، وعندما قادته الأدلة لـ “وجود إله” لم يتردد في الاعتراف بذلك.

قد تتساءل، كيف لفيسلوف مثلي أن يخوض في المسائل العلمية المُعالجَة من قِبَل العلماء. أفضل طريقة للإجابة على هذا السؤال هو طرح سؤال آخر: هل نحن بصدد نقاش علمي أم فلسفي؟ عند دراسة التفاعل بين جسمين ماديين، على سبيل المثال، اثنان من الدقائق المُكوِّنة للذرات، عندها نحن نتحدث في العلوم. لكن عند السؤال كيف يمكن للدقائق المُكوِّنة للذرات -أو أي شيء مادي- أن تتكوَّن من العدم؟ ولماذا؟ عندها نحن نتحدث في الفلسفة. وعند استخلاص استنتاجات فلسفية من المُعطيات العلمية، فأنت تفكر كفيلسوف.

كان سبب رجوعه عن الإلحاد هو أولاً: “العلوم الحديثة” التي تبحث داخل الخلية والجينات وطريقة عمل الكون والفيزياء. كانت هذه العلوم هي ما أظهرت له “التعقيد غير القابل للاختزال” ووجهت له تحدي من خلال ثلاثة أسئلة رئيسية:

  1. كيف ظهرت قوانين الطبيعة؟
  2. كيف نشأت الحياة كظاهرة من اللاحياة؟
  3. كيف ظهر الكون لحيز الوجود؟ الكون الذي نعني به كل الموجودات الفيزيائية؟

ثانياً: كانت لديه مشكلة وهي “كيف يُعرَّف الإله؟” أي انه كيف يمكننا تعريف كائن ليس له وجود فيزيائي ولا يمكن قياسه؟ كيف ننسب لهذا الكائن غير المادي أفعال مادية؟

الكتاب مقسّم لجزئين رئيسيين، الجزء الأول يسرد فيه كيف ولماذا كان ملحداً، والجزء الثاني كيف تراجع عن إلحاده. ثم ملحق كتبه “روي إبراهام فارجيس” لنقد أطروحات ما يُسميه “الإلحاد الجديد” والذي يتصدره “ريتشارد دوكينز” و”دانيال دينيت” و”سام هاريس” و”فيكتور ستنجر”، يليه ملحق ثاني وهو حوار “أنتوني فلو” مع القس “نيكولاس توماس رايت” حول الفكرة المسيحية القائلة بأن “الله كشف ذاته عبر التاريخ الإنساني في السيد المسيح” (وفي هذا الجزء بالأخص يقوم المُترجم -وهو مسلم الديانة- بالتعليق كثيراً على محتوى المناظرة. لذلك الهوامش في هذا الفصل -وطوال الكتاب- ليست من كتابة أنتوني فلو).

الآن أنا أؤمن بأن الكون قد ظهر إلى الوجود عن طريق الذكاء اللامحدود. أؤمن بأن قوانين الكون المتشابكة المعقدة صعبة التحليل، تعكس ما أسماه العلماء عقل الإله. كما أؤمن أن نشأة الحياة وتنوعها أساسهما مصدر إلهي.

بالطبع كوني مسيحي فأنا أرى ان الكتاب رائع ومفيد (لا أستطيع أن أنكر تحيزي). ولكن على الأقل يمكن أن يقدم هذا الكتاب كلا الجانبين (الملحد والمؤمن بوجود إله) بشكل مختصر ومُبسط، وبالتالي لا تحرم نفسك من قرائته.

بالمناسبة “أنتوني فلو” لم يصبح مسيحياً ولكنه أصبح يؤمن بوجود خالق ويرى أن الأديان غير حقيقية. وستقرأ ذلك في الملحق الثاني من الكتاب الذي حاور فيه القس “نيكولاس توماس رايت” عن المسيحية والتجسد الإلهي.

أخيراً، دار البراهين هي دار نشر إسلامية مهتمة بالكتب التي تنقد الإلحاد بشكل خاص ولها إصدارات رائعة. (سبق أن قرأت كتاب جوناثان ويلز، أيقونات التطور: علم أم خرافة؟). ولكن للأسف الكتب سعرها مرتفع نوعاً ما، وذلك للجودة الرائعة للورق. ولنا الشرف كقراء باللغة العربية أن لدينا مثل هذه الدار.

الغلاف مطابق لغلاف النسخة الإنجليزية.

    Journas

    Never miss a story from us, get a weekly update to your inbox