أسرار وحقائق مذهلة عن حكم محمد علي لمصر في “كل رجال الباشا”

4 sec read

أسرار وحقائق مذهلة عن حكم محمد علي لمصر في "كل رجال الباشا"

تستعرض أطروحة (خالد فهمي) تكوين السلطة الحديثة في مصر و بشكل خاص المؤسسة العسكرية التي أقامها (محمد علي) .يتبنى (خالد فهمي) عدة اتجاهات نظرية في كتابه أهمها مفهوم (ميتشل فوكو) عن ما يسمى ب ( السلطة الانضباطية الحديثة ) و تحكم السلطة في الجسد مع توجيه النقد(لفوكو) في رؤيته حول تماسك السلطة و حتمية أشكالها .المكون النظري الثاني للأطروحة هي تصورات (ميتشل) عن الحداثة في مصر و نقد مفهوم ( التأطير ) الذي يتبناه ميتشل .

المنطلق النظري الثالث للكتاب هو كتابات مدرسة ( دراسات التابع الهندية ) التي تحاول تقديم تحليل مختلف للحداثة عن التحليل الأوروبي و البعد عن المركزية الاوروبية في تقديم الحداثة .يعتمد (خالد فهمي) على الوثائق الحكومية في عصر (محمد علي) و على كتيبات التدريب و كشوف التمام العسكرية محاولًا الوصول الى ما كان يشعر به الفلاحون أثناء تجنيدهم و البحث وراء وسائل مقاومتهم للسلطة .يصور (خالد فهمي) مقاومة الفلاحين لفكرة التجنيد و رفضهم لها و يستعرض أساليب تلك المقاومة تباعًا في الفصول .يصور (خالد فهمي) الحياة اليومية للفلاحين في الجيش و كيفية إخضاع أجسادهم و عقولهم للسلطة .

د.خالد فهمي

ينقد الكتاب مدرسة التأريخ المصرية باعتماده على التأريخ من وجهة نظر الجماهير و يرصد وجهة النظر هذه عن طريق الوثائق التي تبين الى حد كبير كيف كان يتعامل الخاضعين للمؤسسة .

يضع الكتاب التاريخ المصري في هذه الفترة داخل إطار الإمبراطورية العثمانية باعتبارها إحدى ولاياتها المهمة و ليست دولة مستقلة للباشا .اضطراب علاقة الباشا بمركز السلطة العثمانية في اسطنبول و عدم سعيه للاستقلال بمصر ككيان مستقل منذ البداية و ابتهاجه الشديد بفرمان الولاية 1841 .

الفصل الأول : يستعرض الفصل الأسباب وراء حملات الباشاالعسكرية مع التركيز على حملة سوريا , فكل الحملات قبل تلك الحملة كانت بطلب السلطان او للتخلص من المماليك مثل حملة الحجاز , كان غزو سوريا رغبة قديمة للباشا و كان راغبًا في أن يعطيه السلطان ولاية سوريا مكافأة على خدماته .أغرت سوريا الباشا لأنها كانت مصدر للمقاتلين و مصدرًا مهمًا للأخشاب في الشمال .التسلسل الزمني للتوسعات العسكرية يخدم فكرة ان تلك التوسعات كانت من أجل الاستقلال , و على العكس لم تكن الفتوحات مرتبطة بعضها ببعض و لم تكن تعتبر لجيش نظامي واحد .

 انتهت حملة الشام بعقد صلح كوتاهية الذي تتضمن مفاوضاته مطالب الاستقلال بل كان طلب خاص من (إبراهيم باشا) لأبيه , و كانت نتائج الصلح بمنح الباشا مصر و الحجاز و كريت , و (إبراهيم باشا) عكا و دمشق و طرابلس و حلب , وجمع ضرائب أضنة لم تكن مرضية للأطراف المتصارعة , ساعد في تلك النتيجة تذبذب الباشا تجاه السلطان و سيطرة الميل العثماني عليه .

محمد علي باشا (والي مصر)

الفصل الثاني : يتناول الفصل أسباب لجوء الباشا الى تجنيد الفلاحين المصريين بعد فشل حملة السودان و موت العبيد السودانيين و عدم جاهزيتهم للخدمة العسكرية .لم تكن الفكرة في بدايتها بمثابة تجنيدًا عامًا و لكن تجنيد أربعة آلاف رجل لمدة ثلاث سنوات لاستبدالهم بالضباط الأتراك لجلب العبيد من السودان .تأثر الباشا في عملية تكوين الجيش بالفرنسيين و العثمانيين و لكن كان الأثر الأكبر عثمانيًا بدليل تعديله لخطة إعداد الجيش لتكون مثل قوات ( نظام جديد ) العثمانية .

تغيرت طبيعة الدولة المصرية بسبب نظام التجنيد فتحولت من آلة للقوة فقط الى جهاز بيروقراطي يفرض المراقبة و النظام و الانضباط بهدف التحكم , كانت فكرة ( التذكرة ) لكل قروي التي تحمل اسمه و صفاته إحدى وسائل السيطرة على الفلاحين و دفترة الواقع بحيث يكون الناس موجودين في المكان الذي يشغلونه و ليس بيئتهم الطبيعية , قاوم الفلاحون التجنيد مقاومة شديدة فلم يستجيبوا للفقهاء الذين نشرهم الباشا لترغيبهم في التجنيد بمبررات دينية  و تعددت أساليب مقاومتهم من الهجرة الجماعية , وإلى تشويه النفس بالعمى أو كسر بعض الأعضاء ليصبحوا غير قادرين على الالتحاق بالجيش . 

في عام 1844 ظهر قانون ينظم البنية البيروقراطية ينص على الاهتمام بكتابة الدفاتر بشكل نظيف ومرتب ليعبر عن عقلانية السلطة الحديثة , أصبح الجيش بحلول منتصف الثلاثينيات يمثل 2.6 % من التعداد .

د.خالد فهمي متحدثًا في حوار تليفزيوني عن "كل رجال الباشا"

الفصل الثالث : يحلل الفصل آليات الانضباط التي خلقها النظام الإداري الجديد عن طريق نظام المراقبة مثل ( التذكرة ) التي تعد المثال الأقوى على الانضباط التي توهم الفلاحين بأنهم مراقبون دائمًا .

حاولت السلطة الفصل التام بين الحياة المدنية و العسكرية بإنشاء نظام للاعتقال داخل الثكنات بعيدًا عن المدن ثم عملية التحول بين أنواع العقاب المختلفة من استعراضي إلى تمثيلي بعد عدم جدوى فكرة العقوبات الاستعراضية لصعوبة تطبيقها وكان العقاب التمثيلي الذي يعبر عن صاحب السلطة في غيابه و التي ركزت عليها القوانين العسكرية و التركيز على حتمية مقابلة العقاب للجريمة مثل قانون (مدرسة المشاة ) ساعد في ذلك تغيير معنى كلمة سياسة من ( قانون عقوبات ) الى معناها الأصلي كحكم .

 أصبح الزمن حصة محددة للقيام بالأفعال كنتيجة لتقنيات الانضباط كالمراقبة الصارمة و كشوف الجرد و التمام و السيطرة على خطوات الجنود و تحركاتهم , أصبحت السلطة تخلق العلوم للاستفادة بها للحصول على أجسام سليمة مثل إقامة نظام الحجر الصحي و عزل المدن , و يظهر ذلك في القانون الذي يضبط ( اللواط ) بمعاقبة كل من يمارسه ستة أشهر , يظهر أن كتيبات التدريب لا تبين رؤية الجنود عن الواقع الذي يعيشونه بل تعبر عن أماني السلطة فينتقد فهمي مفهوم التأطير عن (ميتشل) الذي يجمع بين رؤية (فوكو) عن السلطة الميكروفيزيائية و رؤية ( دريدا ) عن الجانب الميتافيزيقي للسلطة , ينقده لأنه يدعي تمكن السلطة التام و تملك أدوات حل المشكلات و لأنه يحمل تناقض بين الذات الخاضعة لتلك السلطة و التي تملك في نفس الوقت الحدس الذي يمكنها من كشف ذلك بل و يشكك فهمي في نظرة الفلاحين للواقع كمؤطر .

صفحة الكتاب علي موقع goodreads

الفصل الرابع : يكشف الفصل عن التناقض بين تفاعل الجنود في المعارك و رؤية الضباط في كتيبات التدريب , فيصور الرهبة و الاضطراب في معركة (قونية ), كما ينقد مدرسة التأريخ الأدبي للمعارك و تصوريها على أنها خطوات محفوظة بذكر واقعة هروب لواء الفرسان الأول بالكامل من المعركة و صدور قرار المحكمة العسكرية بحكم هزيل على أحمد بك الاسطنبولي بتخفيض رتبته على الرغم من وجوب إعدامه .

يتبحر الفصل في نصوص البيروقراطية لبيان الصعوبات في الإمدادات بالطعام و الكسوة و سوء تخزين المؤن , و عدم وجود عدد كاف من الموظفين المتعلمين مما أدى الى عدم كفاءة الجهاز الإداري للباشا و من ثم قبوله بانتهاك القواعد التي وضعها بنفسه و صمته على فساد الموظفين لحاجته إليهم .

تعكس تلك الصور الصورة المكتملة من السلطة عن الانضباط  و التكامل

اعتمدت المؤسسة العسكرية على السلطة الحديثة بشكل عالٍ في الإعداد و امدادها بما تحتاجه .

 كان تكوين الجيش مضطربًا ,باعتماد الباشا على قادة الجيش من عائلته , ثم مماليكه ثم رجال العالم العثماني المتعددين أدى الى اضطراب الوضع في الجيش , ثم تناقض النصوص كانعكاس للسياق الاجتماعي مثل عدم تطابق النسخة العربية مع التركية من قانون ( الداخلية ) لعدم وجود الترقيات العليا في النسخة العربية , يعكس ذلك التوتر توترًا نشأ من تعامل موظفي الباشا مع الجيش حامي العقيدة ( الدولة العثمانية ) .

الجيش المصري في معركة "نزيب" 1839

الفصل الخامس : يُرجع الفصل سبب استمرار الجنود في القتال بنجاح الى أنه قد تكون سنوات التدريب المتصلة هي المسئولة عن ذلك و لكن لا يوجد تفسير كامل لذلك ,حصار الجنود بين الرغبة في الهرب من ناحية و الالتزام بالأوامر من ناحية كان يؤدي بهم في النهاية إلى طاعة الأوامر ليتمكنوا من الشعور بأمان .

الحياة اليومية في المعسكرات و كشف لنا الهوة الضخمة بين تصورات السلطة عن الانضباط وما كان يفعله الفلاحون في الواقع , فمثلًا لم تتمكن السلطة من السيطرة الكاملة على أجساد الجنود ففشلت في القضاء على مرضيّ ( الجرب و الزهري ) على الرغم من الفحوص الطبية الدقيقة التي كانت تنفذ بشكل مهين , و ايضًا لم تتمكن من التحكم في حياة الجنود الجنسية بإبعادهم عن الحياة العادية و رضخت في النهاية لوجود زوجاتهم معهم .

 لم يكن الوازع الديني هو ما يحرك الباشا في إلغاء الدعارة و التضييق على الحانات و لكن للتمكن من ضبط أجساد الجنود و منع اتصالهم بالمومسات .

صفحة الكتاب علي موقع amazon

الفصل السادس : يطرح مسألة وطنية الجيش , فجيش الباشا بنائه قبل الثورة البرجوازية على عكس جيش ( نابليون ) على سبيل المثال , كما كان أن الضباط لم يكونوا مصريين من الأساس , بالإضافة الى أن جيش الباشا كان يحمل طابعًا أسريًا فتلك كان حروبه الخاصة لذلك لم يكن الجيش المصري بمثابة جيش وطني كلاسيكي بل كان أول شعور وطني يلوح في الأفق مع الثورة العرابية بسبب مساهمة الجيش بدون قصد في خلق شعور وطني كنتيجة لتجربة جماعية للمصريين .

لمن يكن الانضمام للجيش مصدرًا للفخر لدى الجنود بل كان مذكرًا أبديًا للظلم في جيش الباشا قاومه الفلاحين بشتى الطرق بدءًا من تشويه النفس و الهجرة الجماعية انتهاءً بالامتناع عن الإنجاب .

 لم يختلف (إبراهيم باشا) عن أبيه سوى في معاملته الأفضل نسبيًا للفلاحين و لكن كان ولائه واضحًا للباشا و للنخبة التركية .

أسطول "محمد علي باشا"

الفصل السابع : يحلل الفصل علاقة الباشا بالسلطان بوضعه داخل إطاره العثماني باعتباره واليًا عثمانيًا على ولاية مهمة من ولايات السلطان وأن حروب الباشا ضد السلطان كانت لمحاولة فرض أفكاره لإصلاح الدولة العثمانية من الداخل و فرض تلك الإصلاحات بالقوة وسط الصراع بين البيوتات العثمانية .

لم يطلب الباشا الاستقلال منذ البداية و عندما طلب ذلك كان من أجل مجده وأسرته وليس من أجل استقلال مصر القومي , و كانت معارضة بريطانيا له و تدخلها ضده ليس لمحاربتها للدولة القومية المصرية الناشئة و لكن بسبب تهديد الباشا لمستعمرة انجلترا الأكبر و الاهم ( الهند ) بإضعافه للدولة العثمانية و فتح الباب للتدخل الروسي في الهند .

لم ترتقِ الصناعة المصرية يومًا في عهد الباشا إلى مستوى المنافسة مع نظيرتها الإنجليزية و كان التبادل التجاري بين مصر و انجلترا على مستوى عالٍ و لكن كان تهديد مصالح انجلترا في الهند هو السبب في إرغام الباشا على القبول بمعاهدة ( بالطا ليمان ) بفرمان 1841 و منحه ولاية مصر فقط له و لأولاده .

و كانت نتيجة مرضية تمامًا للباشا مما يثبت عدم وجود فكرة الاستقلال كمطلب قومي لديه .

صفحة أخري للكتاب علي موقع goodreads

Journas

Never miss a story from us, get a weekly update to your inbox